قال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ…﴿سورة البقرة: 63﴾..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ…﴿سورة البقرة: 63﴾
وإن كان الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجِّهًا إلى بني إسرائيل في لحظة تاريخية مضت، فإن مضمونه لا يقتصر عليهم، شأنه في ذلك شأن معظم خطابات القرآن الكريم، إذ يعرض لنا القصة التاريخية بهدف الاعتبار، قال سبحانه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ﴿سورة يوسف: 111﴾ وبهذا يتجاوز الخطاب تلك الجماعة إلى كل من آمن بالله، وكل من وصلته رسالة الله وتكاليفه.
إن الله تعالى لا يريد من المؤمن أن يتعامل مع ما أنزله عليه تعامُلَ المتفرِّج، ولا أن يتعامل مع الدين كمجموعة أفكار تُعرَض عليه فيختار منها ما يوافق مزاجه، ويترك منها ما يثقل عليه أو يصطدم بمصلحته. إن الإيمان الحقيقي يبدأ حين يتحول ما جاء من عند الله من نصٍّ يُتلى إلى عهدٍ يُحمل، ومن معرفةٍ تُحفظ إلى تكليفٍ يُؤدّى، ومن قناعةٍ ذهنية إلى موقفٍ عملي. ولهذا جاء التعبير القرآني بالغ القوة: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
والقوة هنا ليست القوة البدنية وحسب، وإن كانت لا تستبعدها، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في تفسير القوة، أنها قوة الأبدان وقوة القلوب. فقد روى العيّاشي في تفسيره أنه سُئِلَ الإمام جعفر الصادق (ع) عن قول الله عزَّ وجَلَّ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾. أَبِقُوَّةِ الأَبْدانِ أَمْ بِقُوَّةِ القُلُوبِ؟ فقال: “بِهِمَا جَمِيْعًا”
لكن القوة الأهم في مقام التكليف هي قوة الإرادة والعزم واليقين، أي أن يتلقى الإنسان أمر الله باعتباره أمرًا ملزمًا، لا مادةً قابلةً للانتقاء والتأويل بحسب الرغبات. أن تأخذ ما آتاك الله بقوة يعني أن تقول لنفسك: هذا حقٌّ جاءني من ربي، ولذلك سألتزم به، سواء وافق هواي أم خالفه، وسواء كان سهلًا على نفسي أم شاقًا عليها. فالمشكلة لا تكمن في جهل الإنسان حكم الله وحسب، وإنما حين يعرفه ثم يبحث عن مخرجٍ منه لأنه لا ينسجم مع مصالحه أو شهواته أو حساباته الخاصة.
وهنا يظهر أحد أخطر أمراض التدين: أن يتحول الإنسان من التسليم لله إلى إخضاع الدين لهواه. فيؤمن من الدين بما يوافقه، ويؤكد ما يلائم موقفه، ويحتفي بما يخدم مصالحه، ثم يبحث عن التأويلات والمبررات ليتجاوز ما يراه ثقيلًا أو مكلفًا. وبذلك لا يعود الدين هو الذي يصنع الإنسان، وإنما يصبح الإنسان هو الذي ينتقي من الدين ما يريد. وهذا يناقض جوهر الإيمان، فالإيمان يعني التسليم المطلق لأمر الله وافق الهوى أم لم يوافقه. والدين كلٌّ لا يتجزَّأ، والإيمان ببعضه والكفر ببعضه الآخر يكشف عن خلل اعتقادي خطير، وقد كان من صفات بني إسرائيل في تعاملهم مع دين الله انتقاؤهم ما يناسبهم منه، وكفرهم بما لا يناسبهم، قال تعالى: (…أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ…) ﴿سورة البقرة: 85﴾.
ولهذا فإن قوله تعالى: ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ يعني خذوا به جميعًا، باعتباره كُلًا متكاملًا، لا تخضع تكاليفه لمبدأ الانتقاء. فليس للمؤمن أن يجعل من العقيدة ما يوافقه، ومن الأخلاق ما يعجبه، ومن الأحكام ما يناسبه، ثم يتعامل مع بقية الدين وكأنها شأن ثانوي يمكن تأجيله أو التخلي عنه.
فعلى المؤمن أن يكون خاضعًا للوحي، وأن تكون إرادته تابعة له، وليس له أن يخضع الوحي لإرادته، ويجعل الدين وشريعته تابعين لأهوائه، فالأهواء ليست معيارًا لقبول أمر الله أو رفضه، ولو كانت معيارًا لكان لكل شخص من بني البشر دينه الخاص.
ولعل أعمق ما في هذا الخطاب القرآني أنه يضعنا جميعًا أمام سؤال صريح: كيف نتعامل مع تكاليف الله لنا؟ هل نأخذ من الدين ما يوافقنا ونترك ما يخالفنا؟ هل نبحث عن الحكم الشرعي لنعمل به، أم نبحث عن الحكم الذي نريد أن نسمعه؟ هل إذا تعارض أمر الله مع مصلحتنا غيّرنا موقفنا، أم بدأنا بالبحث عن تأويل يغيّر حكم الله؟ هل علاقتنا بالواجب علاقة تبرُّم وتأجيل، أم علاقة مسؤولية واستعداد؟
إنها أسئلة كل مؤمن في كل زمان. والقرآن حين يحدثنا عن بني إسرائيل لا يريد أن يخبرنا فقط بما فعلوا، بل يريد أن يحذِّرنا من أن نكرِّر نحن الفعل نفسه.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 29/8/2026 الساعة (05:00)




