الجمعة - 28 اغسطس 2026

سوريا : لماذا تفاوض اسرائيل وتهدد العراق..!

منذ 33 دقيقة
الجمعة - 28 اغسطس 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

الوضع السوري يختلف عما كان عليه في عهد بشار الأسد. تجد سوريا نفسها أمام معادلة معقدة للغاية, فقد خرجت من حرب طويلة، واقتصادها يترنح، وجيشها يعاني انهياراً عسكرياً بفعل الضربات الإسرائيلية على مواقعها العسكرية، وجيش من كل قطر أغنية، من شيشان وأذربيجان اذرين وغيرهم، واحتلال إسرائيلي متغير، مفاوضات مع إسرائيل برعاية أردنية وأمريكية، وجيش وليد في طور إعادة البناء والتأهيل، ودعم تركي وانفتاح أمريكي. في وسط هذه المعادلة،

لهجة سوريا تجاه بغداد تريد ضبط الأراضي العراقية ومنع فصائل المقاومة من تنفيذ هجمات ضد سوريا انطلاقاً من العراق. مطلب سيادي وأمني يمكن لدمشق أن تطرحه، خصوصاً أن البلدين لديهما حدود طويلة وحساسة.

اللهجة السورية تحمل رسالة مفادها أن مرحلة التعامل مع الهجمات العابرة للحدود باعتبارها مشكلة داخلية عراقية انتهت، وأنها قد تعدّ الهجوم المنطلق من العراق تهديداً مباشراً لسوريا. وتطالب الدولة العراقية بمنع الهجمات، وإلا فسنضرب الداخل العراقي.

نحن أمام انتقال من ضغط سياسي إلى معادلة أمنية جديدة. هذا سيكون تطوراً خطيراً جداً، لأن بغداد لن تستطيع عملياً قبول ضربات سورية داخل أراضيها دون رد، أو على الأقل موقف سيادي واضح. في المقابل، لا أرى أن من مصلحة الجولاني فتح مواجهة مع العراق. دمشق تحاول الخروج من العزلة وإعادة بناء الدولة وعلاقاتها الإقليمية، خصوصاً بعد إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية، وهي خطوة تفتح أمامها المجال الاقتصادي والدبلوماسي. والأهم أنها مشغولة بملفات أكبر إسرائيل، وقسد، وإعادة بناء الجيش، والحدود.

وفي الأيام الأخيرة، كانت هناك مفاوضات سورية إسرائيلية بوساطة أمريكية وأردنية في عمان لخفض التصعيد. لذلك، تهديدات الجولاني للعراق، إن كان المقصود التصريحات الرسمية الأخيرة، هي رسالة أكثر من كونها إعلان حرب مع العراق. الاختبار الحقيقي ليس كلام الجولاني وإنما ماذا ستفعل دمشق إذا وقع هجوم فعلي من الأراضي العراقية…؟ وهل ستكتفي بالضغط الدبلوماسي، أم ستستهدف الجهة المنفذة داخل العراق، أم ستطلب من واشنطن والأردن التدخل…؟

وهنا يمكن أن يتحول الموضوع إلى معادلة أمنية سورية عراقية جديدة، خصوصاً أن بغداد نفسها أعلنت سابقاً تشديد إجراءات الحدود والتنسيق مع دمشق لمواجهة داعش ومنع أي تهديد عابر للحدود. إذا كانت دمشق عاجزة أو غير راغبة في مواجهة إسرائيل عسكرياً لاستعادة الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد،

فلماذا ترفع سقف خطابها تجاه العراق…؟

اللقاء السوري الإسرائيلي الأخير في عمان، الهدف المعلن منه خفض التصعيد. كما صرح الشيباني أن أولوية دمشق وقف الضربات الإسرائيلية، وأن الاتفاق الأمني النهائي يفترض أن يقود إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط الأسد.

إن الرسائل إلى بغداد سياسية إظهار أن سوريا الجديدة، رغم ضعفها العسكري، لن تتعامل مع أي نشاط عسكري عابر للحدود باعتباره شأناً عراقياً داخلياً، وأن الأراضي العراقية لن تتحول إلى منصة عمليات ضد سوريا، ووضع الحكومة العراقية أمام مسؤولية ضبط حدودها. وسيادة سوريا لن تكون مكشوفة، وهي رسالة إلى فصائل المقاومة الإسلامية.

الموضوع أخطر وأعمق من مجرد تهديد سوري للعراق. دمشق تحاول إعادة بناء قدرتها العسكرية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الصدام المباشر مع إسرائيل، وتريد منع انتقال أي صراع إلى أراضيها من العراق أو لبنان. وجود واشنطن في الملف السوري والإسرائيلي يهدف إلى منع تحول العراق إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي. لذلك، قد تكون لهجة دمشق جزءاً من محاولة بناء مظلة ردع سياسية أكثر من كونها مقدمة لعملية عسكرية.

وتقول لإسرائيل عملياً نحن نريد استعادة أراضينا عبر التفاوض، لكننا لن نقبل تهديد أمننا من جهات أخرى. أي أنها تحاول معالجة الخطر الإسرائيلي دبلوماسياً، والعراقي بالردع السياسي. ورسالة للداخل الدولة السورية الجديدة قوية وقادرة على حماية حدودها، خصوصاً في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والوجود الإسرائيلي في مناطق جنوبية سورية. إسرائيل نفذت مئات الضربات داخل سوريا منذ سقوط الأسد، وتقدمت قواتها إلى المنطقة العازلة التي كانت تفصل القوات السورية والإسرائيلية. دمشق الخارجة من حرب طويلة، والتي تعمل على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية،

ليست في وضع يسمح لها بسهولة بفتح جبهة كبيرة مع العراق، فضلاً عن أن العراق يمتلك جيشاً ومؤسسات أمنية وقوات مسلحة وعمقاً جغرافياً أكبر. والسؤال الأهم: لماذا تهدد دمشق العراق وهي تفاوض إسرائيل..؟