المدّ الإعلامي المضلِّل ومسؤولية الواعين في معركة الوعي والوجود..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

لا شك أن الحرب الوجودية القائمة اليوم لم تبدأ اليوم، ولم تكن وليدة لحظة عابرة؛ بل جرى الإعداد لها منذ عقود، فهُيئت القواعد، ونُصبت العوائل العميلة، وصُنعت التبريرات والذرائع، وأُسقطت أنظمة، واحتُلت شعوب، ومُهِّدت المنطقة لمعركة فاصلة بين مشروعين متناقضين: مشروع الهيمنة والاستكبار، ومشروع الحق والكرامة والاستقلال.
ومهما اشتدت المحن وتعقدت المواجهة، فإننا نؤمن أن الإرادة الإلهية فوق كل إرادة، وأن عاقبة الحق النصر، وإن كان الطريق إليه شاقاً، والمعركة قاسية، والتضحيات جسيمة.
ولم تكن الاستعدادات عسكرية فقط؛ فقد أُنشئت إلى جانبها ماكينة إعلامية وثقافية ضخمة تعمل منذ عقود على صناعة الوعي وفق أهداف أصحابها، وتزييف الحقائق، وشيطنة الخصوم، وتحويل الباطل إلى صورة مقبولة في أذهان الأجيال.
لقد نجح هذا الإعلام، إلى حدٍّ ما، في خلق أجيال تصدق الأكاذيب وتتعامل مع التضليل بوصفه حقيقة. ولذلك لم يكن استهداف السلاح وحده هو الغاية، بل استُهدف الإنسان وعقله وقيمه وهويته.
فكان من أهداف هذا المشروع تفكيك ثوابت المجتمع، وإضعاف أواصر القوة والتماسك فيه، والتشكيك بالعقائد والقيم، وإضعاف احترام كبار القوم وعقلائهم، ونشر ثقافة الانحلال حتى تتحول الممارسات المرفوضة اجتماعياً إلى أمر واقع لا يستحي منه أحد.
كما جرى الدفع بأشخاص يفتقرون إلى الكفاءة والنزاهة إلى مواقع المسؤولية، في الوقت الذي جرى فيه استبعاد أصحاب الخبرة والشرف والكفاءة، فضلاً عن تجنيد أعداد كبيرة من العملاء والأدوات التي تخدم المشروع الخارجي، ولا سيما في الدول الإسلامية ومنطقتنا الحيوية في غرب آسيا.
والأخطر من ذلك كله كان زرع الكيان الصهيوني في قلب المنطقة، وتحويله إلى أداة للقتل والعدوان وإثارة الفتن والتخريب، وإبقائه عاملاً دائماً في تهديد أمن شعوب المنطقة واستقرارها.
كل ذلك، وما هو أكثر منه، لم يكن عملاً عشوائياً؛ بل جاء ضمن مشروع واسع لإحداث تغييرات عميقة في هوية المنطقة وبنيتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وربطها بمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية، ومنها ما عُرف بمشروع الشرق الأوسط الكبير، فيما جاءت مشاريع التطبيع وطرح ما يسمى بـ«الديانة الإبراهيمية» ضمن أدوات إعادة تشكيل الوعي والهوية والعلاقات في المنطقة.
أيها الإخوة، يا أبناء أمتنا الإسلامية، ولا سيما أبناء الإسلام الأصيل الذين تصدوا لهذا المشروع وقدموا التضحيات الجسام:
إن مسؤوليتكم اليوم أعظم من أي وقت مضى.
كونوا أكثر وعياً، وأكثر حصانة، وأكثر صبراً، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. فالأيام القادمة لن تحتاج إلى الانفعال بقدر ما تحتاج إلى وعي وثبات وتكاتف وحسن تقدير.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام المضلل هو أن يجعل أبناء الأمة يختلفون حول عدوهم، أو يشككون بثوابتهم، أو يفقدون الثقة بأنفسهم، أو ينشغلون بصراعات جانبية بينما تُستهدف قضيتهم الكبرى.
ومن هنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الواعين والمدركين لحقائق الأحداث: أن يرفعوا مستوى التثقيف، وأن يمارسوا جهاد التبيين بأعلى درجاته، وأن يحولوا مجالسنا وبيوتنا وفضاءاتنا الاجتماعية إلى منابر للوعي والبصيرة، لا إلى ساحات للفراغ والانغماس في ثقافة الاستهلاك والانحلال.
وأخصّ شبابنا الواعي، المنتمي إلى مدرسة علي والحسين، بالدعوة إلى أن يكون أكثر وعياً ومسؤولية، وأكثر تضحية ونكراناً للذات، وأكثر تحملاً للمصاعب؛ فالشباب هم خط الدفاع الأول عن هوية الأمة ومستقبلها، وبهم يُبنى الوعي ويُصان المجتمع.
ويجب أن يكون المنبر الحسيني هادفاً، موجهاً، مؤثراً، وقادراً على صناعة الإنسان الواعي؛ فالتربية الحقيقية تبدأ من المنبر، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن كل مؤسسة تستطيع أن تبني وعياً وتصنع موقفاً.
وفي الوقت نفسه، فإن بناء الجبهة الداخلية لا يكتمل من دون إصلاح مؤسسات الدولة. فلا بد أن تكون إدارات الدولة أكثر نزاهة ونظافة وكفاءة وحسن تدبير، وأن يكون أصحاب المسؤوليات العليا قدوة حسنة للناس، بعيدين عن الفساد واستغلال المنصب والانغماس في ملذات الدنيا الزائلة.
وعلى الحكومة والقيادات أن يختاروا الشرفاء والكفوئين لإدارة مفاصل الدولة، وما أكثرهم في بلادنا، وأن يُبعدوا كل من ثبتت عليه شبهات الفساد أو سوء الإدارة أو ضعف الكفاءة، فالدول لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما برجال أكفاء، ومؤسسات قوية، وقرارات شجاعة ومسؤولة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب الاستعداد، لا الخوف؛ والوحدة، لا التشرذم؛ والبصيرة، لا الانفعال.
وحّدوا شعبكم، واحفظوا قوة العراق، واهتموا بالحشد الشعبي بوصفه مؤسسة وطنية جاءت استجابة لفتوى مقدسة وأسهمت في الدفاع عن العراق، وطوّروا قدراته ضمن إطار الدولة والقانون، ولا تلتفتوا إلى الأصوات التي تريد إضعاف عوامل القوة الداخلية أو خدمة المشاريع الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون القيادة شجاعة في اتخاذ القرار، وأن تُراجع مواقع المسؤولية مراجعة دقيقة، وأن تُبعد عنها من تثبت عدم أهليته أو وجود ملاحظات جوهرية عليه؛ فالمرحلة الصعبة لا تحتمل التردد ولا المجاملات.
ولا بد من الوحدة والتكاتف والاهتمام بالشعب، وتوفير مستلزمات العيش الكريم بأقصى ما يمكن، وتحمل الدولة مسؤوليتها في تخفيف أعباء الظروف الصعبة عن المواطنين، كما أن على الشعب أن يتحلى بالصبر والوعي والتعاون، وأن يدرك أن تجاوز الأزمات الكبرى يحتاج إلى تضحيات وصبر وتكاتف.
وقد قال تعالى:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
فلا تهنوا أمام الشدائد، ولا تسمحوا للإعلام المضلل أن يهزمكم من الداخل قبل أن تبدأ المواجهة في الخارج.
إننا لا نعيش هذه المرحلة بلا غاية ولا بوصلة؛ فثباتنا ومواقفنا المشرفة وتضحياتنا وصبرنا ليست مجرد رد فعل على الأحداث، بل هي مسؤولية أمام الله وأمام صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
فلنجعل مواقفنا في هذه الأيام الصعبة مما يدخل السرور إلى قلبه الشريف، ولنكن على قدر الانتظار: إيماناً، وبصيرةً، وشجاعةً، وثباتاً، وتضحيةً ونكراناً للذات. فالفرج الذي طال انتظاره لا يستقبل بالأماني، وإنما برجال صادقين يعرفون واجبهم ويثبتون عليه.
واعلموا أن الله معنا، ومن كان الله معه فلن يستطيع أحد أن يغلبه أو يتمكن منه. ومعنا رسالة الرسول الأكرم، وعدالة علي وسيفه، وثبات الحسين، وإرث أمة قدمت أعظم التضحيات دفاعاً عن الحق والكرامة.
فاثبتوا وتكاتفوا، واحفظوا شعبكم ووطنكم، وكونوا بمستوى الحدث؛ فالعراق ليس بلداً عابراً في التاريخ، وإنما بلد الرسالات والحضارات والتغيير والريادة.
استعدوا للمرحلة القادمة بالوعي قبل القوة، وبالوحدة قبل المواجهة، وبالإيمان قبل كل شيء.
فالمعركة الكبرى تبدأ من العقول والقلوب قبل الميادين، ومن يحفظ وعي شعبه يحفظ مستقبله.
والنصر لا تصنعه الضوضاء، ولا تحققه الأماني، وإنما تصنعه البصيرة والثبات والوحدة والتضحية وحسن التوكل على الله.
**﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.




