الجمعة - 28 اغسطس 2026

 لبنان من اغتيال الحريري إلى طوفان الأقصى..سردية تاريخية سياسية من 2005 إلى 2023 ( الحلقة ٧)..!

منذ ساعتين
الجمعة - 28 اغسطس 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم يكن الرابع عشر من شباط 2005 مجرد يوم اغتيل فيه رئيس حكومة سابق. كان ذلك اليوم نقطة الانفجار التي أعادت فتح كل الملفات اللبنانية دفعة واحدة: العلاقة مع سوريا، سلاح حزب الله، المحكمة الدولية، الاصطفاف الطائفي، الصراع الإقليمي، ثم السؤال الأكبر: من يحكم لبنان، الدولة أم موازين القوى خارجها؟

عند الساعة الأولى من بعد ظهر ذلك اليوم دوّى الانفجار في بيروت، فقتل رفيق الحريري و22 شخصاً آخرين، بينهم الوزير باسل فليحان، وأصاب نحو 220 شخصاً. كان التحقيق الدولي سيخلص لاحقاً إلى أن جريمة الاغتيال تمت في سياق سياسي وأمني شديد التوتر، لكنه لم يعتبر مجرد الاشتباه السياسي دليلاً على مسؤولية جهة بعينها.

خرج لبنان إلى الشارع. في 8 آذار احتشد أنصار سوريا وحلفاؤها، وفي 14 آذار خرجت حشود ضخمة مطالبة بالحقيقة وبانسحاب الجيش السوري. وفي 26 نيسان 2005 غادرت القوات السورية لبنان بعد نحو 29 عاماً من الوجود العسكري.

لكن خروج الجيش السوري لم يكن خروج النفوذ السوري من السياسة اللبنانية. فبدلاً من أن ينتهي الصراع، انتقل إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً.

وبدأت سلسلة الاغتيالات. قتل الصحافي سمير قصير في حزيران، ثم جورج حاوي، وأصيب إلياس المر، واستهدفت مي شدياق، ثم اغتيل النائب والصحافي جبران تويني في كانون الأول 2005. وفي 2006 اغتيل بيار الجميل، وفي 2007 وليد عيدو ونجله، ثم أنطوان غانم، وقُتل العميد فرنسوا الحاج في كانون الأول. وفي كانون الثاني 2008 اغتيل وسام عيد، أحد أبرز ضباط التحقيق في ملف الحريري. وفي 2008 اغتيل في دمشق عماد مغنية، ثم لاحقاً جاءت اغتيالات أخرى، أبرزها وسام الحسن في 2012 ومحمد شطح في 2013، إضافة إلى اغتيال هاشم السلمان وحسن اللقيس وغيرهما. كانت البلاد تتحول شيئاً فشيئاً إلى مسرح مفتوح للرسائل الأمنية.

وفي خضم ذلك انفجرت حرب تموز 2006. في 12 تموز نفذ حزب الله عملية أسر جنديين إسرائيليين على الحدود، فردت إسرائيل بحرب واسعة استمرت 34 يوماً. دُمّرت جسور وطرق ومطار ومرافق حيوية، ونزح مئات آلاف اللبنانيين. وقُتل أكثر من ألف لبناني، فيما سقط أيضاً قتلى إسرائيليون.

كانت الحرب انتصاراً عسكرياً وسياسياً متناقضاً في الوقت نفسه: إسرائيل لم تستطع إنهاء قوة حزب الله أو استعادة الجنديين بالقوة، وحزب الله خرج محتفظاً بسلاحه، لكن لبنان دفع ثمناً اقتصادياً وبشرياً هائلاً. وبعد الحرب جاءت لجنة فينوغراد الإسرائيلية لتنتقد أداء القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في إدارة الحرب، وتحوّل إخفاق تموز إلى أزمة داخل إسرائيل نفسها.

ثم دخل لبنان مرحلة جديدة: حكومة فؤاد السنيورة في مواجهة المعارضة التي يقودها حزب الله وحلفاؤه. استقال الوزراء الشيعة وحلفاؤهم من الحكومة في أواخر 2006، وبدأ اعتصام طويل في وسط بيروت. وبعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحود في 2007 دخل البلد في فراغ رئاسي.
[12:45 PM, 8/28/2026] امين السكافي: ثم جاءت نهر البارد.

في أيار 2007 اندلع القتال بين الجيش اللبناني وتنظيم فتح الإسلام، وانتقلت المعركة إلى مخيم نهر البارد. استمرت 105 أيام، وكانت أعنف مواجهة داخلية منذ انتهاء الحرب الأهلية. قُتل أكثر من 160 جندياً لبنانياً وأكثر من 220 من مقاتلي فتح الإسلام وفق تقارير الأمم المتحدة، إضافة إلى عشرات المدنيين، ونزح أكثر من 30 ألف فلسطيني ودُمّر معظم المخيم.

كان الجيش اللبناني قد أثبت أنه لا يزال المؤسسة الأكثر قدرة على خوض حرب داخلية، لكن الأزمة السياسية بقيت بلا حل.

وفي أيار 2008 وصل الاحتقان إلى الانفجار. قررت حكومة السنيورة اتخاذ إجراءات بحق شبكة اتصالات حزب الله وبحق رئيس جهاز أمن المطار، فاعتبر الحزب وحلفاؤه القرار استهدافاً مباشراً لقدراته الأمنية. في 7 أيار تحولت بيروت والجبل إلى ساحة قتال. سقط عشرات القتلى، وسيطر مسلحو المعارضة على أجزاء واسعة من بيروت الغربية.

لم تكن تلك حرباً أهلية جديدة، لكنها كانت رسالة شديدة الوضوح: السلاح الذي امتلكه حزب الله لم يكن موجهاً إلى إسرائيل وحدها، وكانت الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض قرارها عليه بالقوة.

وجاء اتفاق الدوحة في 21 أيار 2008. اتفق اللبنانيون على انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية واعتماد قانون انتخاب جديد، وانتهى القتال.

بعدها دخل لبنان مرحلة من التسويات الهشة. المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بدأت مسارها، وفي 2011 اتهم الادعاء أفراداً مرتبطين بحزب الله في قضية اغتيال الحريري. وفي 2020 أدانت المحكمة سليم عياش، بينما برأت ثلاثة متهمين آخرين من بعض التهم لعدم كفاية الأدلة، مؤكدة أن الحكم لا يعني إثبات مسؤولية قيادة الحزب أو الدولة السورية عن الجريمة. وهذه نقطة ضرورية إذا أردنا كتابة التاريخ لا كتابة رواية سياسية.

وفي 2011 انفجرت الحرب السورية، فتحولت الحدود اللبنانية إلى جبهة خلفية للحرب. أعلن حزب الله تدخله العسكري إلى جانب النظام السوري، فيما دعمت قوى لبنانية مختلفة المعارضة السورية. وبدأت التفجيرات تضرب الضاحية والبقاع وطرابلس، وامتدت الحرب السورية عملياً إلى الداخل اللبناني.

وفي 2012 اغتيل اللواء وسام الحسن، وفي 2013 اغتيل الوزير والنائب السابق محمد شطح. كانت الرسالة واضحة: كل شخصية تستطيع التأثير في المعادلة الإقليمية يمكن أن تتحول إلى هدف.

وفي 2014 دخل لبنان فراغاً رئاسياً استمر أكثر من عامين، قبل أن ينتخب ميشال عون رئيساً في 2016، ضمن تسوية سياسية أعادت سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة.

لكن الدولة كانت تتآكل من الداخل.

الدين العام ارتفع، الكهرباء بقيت أزمة مزمنة، والاقتصاد اعتمد بصورة متزايدة على تدفقات الأموال من الخارج. ثم جاءت لحظة 2019. في تشرين الأول اندلعت انتفاضة شعبية عابرة للطوائف رفضت الطبقة السياسية كلها. وبعد أسابيع بدأت المصارف تفرض قيوداً غير معلنة على السحوبات والتحويلات، ثم تحول الأمر إلى نظام فعلي للـ«كابيتال كونترول»، من دون قانون رسمي واضح.

وانهار النظام المالي الذي بُني طوال عقود على تثبيت سعر الليرة وتدفق الودائع. وفي 2020 أعلن لبنان التخلف عن سداد سندات اليوروبوند. لم تكن «سرقة الودائع» قراراً منفرداً اتخذته جهة واحدة، بل نتيجة انهيار مالي تداخل فيه عجز الدولة، وتراكم الدين، وسياسات مصرف لبنان، وممارسات المصارف، وسنوات من الإنفاق والفساد وسوء الإدارة. وبحلول السنوات التالية أصبحت خسائر القطاع المالي بعشرات مليارات الدولارات.

ثم جاء فيروس كورونا ليضيف إلى الانهيار الاقتصادي انهياراً اجتماعياً وصحياً.

لكن 4 آب 2020 كان الفصل الأكثر مأساوية.

انفجر مخزون ضخم من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، فقتل أكثر من مئتي شخص ودمّر أجزاء واسعة من العاصمة. بقي السؤال: من المسؤول؟

الجواب الدقيق ليس أن «شخصاً واحداً فجّر المرفأ». الثابت أن مواد خطرة خُزنت لسنوات في ظروف غير آمنة، وأن أجهزة ومسؤولين سياسيين وأمنيين وقضائيين كانوا على علم بدرجات مختلفة بوجودها، لكن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية النهائية ظل موضع تحقيق وصراع قضائي وسياسي. وحتى 2026 ما زالت القضية موضع ملاحقات واعتراضات، فيما أعيد تحريك التحقيق وأصبح الحديث عن عشرات الأشخاص الذين قد تطالهم المسؤولية.

ثم جاءت الطيونة في 14 تشرين الأول 2021.

خرج أنصار حزب الله وحركة أمل في تظاهرة ضد المحقق في انفجار المرفأ القاضي طارق بيطار، واندلع إطلاق نار في منطقة الطيونة وعين الرمانة، فسقط سبعة قتلى وأكثر من ثلاثين جريحاً. اتهم حزب الله والقوى المتحالفة معه «القوات اللبنانية» بالمسؤولية عن إطلاق النار، بينما نفت القوات اللبنانية أنها خططت للهجوم. لاحقاً وُجّهت اتهامات قضائية إلى عشرات الأشخاص من الطرفين، لكن التحقيق لم ينتج حكماً قضائياً نهائياً يسمح بالقول إن طرفاً واحداً يتحمل وحده مسؤولية جميع القتلى.

وهنا يجب أن يكون المؤرخ أكثر دقة من السياسي: القتلى السبعة سقطوا في مواجهة مسلحة، لكن تحديد المسؤولية الجنائية النهائية عن كل وفاة يحتاج إلى حكم قضائي نهائي، لا إلى رواية طرف من أطراف الصراع.

دخل لبنان بعد ذلك في مرحلة الفراغ والانهيار: استقالة حكومة، انتخابات 2022، برلمان منقسم، ثم فراغ رئاسي جديد. وفي المقابل كان حزب الله قد تحول من قوة مقاومة إلى لاعب إقليمي يمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ودوراً مباشراً في سوريا، بينما بقي الجيش اللبناني المؤسسة الرسمية التي تعاني من ضعف التمويل والانهيار الاقتصادي.

ثم جاء 7 تشرين الأول 2023.

عملية «طوفان الأقصى» قلبت المنطقة مرة أخرى. لم تعد الحرب السورية هي مركز الصراع، بل عادت فلسطين إلى قلب الشرق الأوسط، وبدأت جبهة الجنوب اللبناني بالتفاعل مع حرب غزة.

وهكذا، إذا أردنا قراءة لبنان بين 2005 و2023 في جملة واحدة، فإننا لا نقرأ فقط سلسلة اغتيالات وحروب وأزمات. نحن نقرأ انتقال لبنان من دولة تحاول أن تستعيد سيادتها بعد خروج الجيش السوري، إلى دولة تتنازعها ثلاثة مراكز قوة: المؤسسات الرسمية، والقوى السياسية المسلحة، والنفوذ الإقليمي والدولي.

من الحريري إلى تموز، ومن 7 أيار إلى الدوحة، ومن نهر البارد إلى الحرب السورية، ومن اغتيالات الشخصيات السياسية إلى انهيار المصارف، ومن ثورة 17 تشرين إلى انفجار المرفأ والطيونة، كان لبنان ينتقل من أزمة إلى أخرى من دون أن يجد لحظة تأسيس جديدة.

والأخطر أن كل أزمة كانت تترك خلفها مؤسسات أضعف، وذاكرة أكثر انقساماً، واقتصاداً أكثر هشاشة، وسلاحاً أكثر حضوراً، وثقة أقل بالدولة.

وعندما وصلنا إلى «طوفان الأقصى» عام 2023، لم يكن لبنان قد خرج من مرحلة 2005؛ كان لا يزال يعيش نتائجها.

فالحدث الذي بدأ باغتيال رجل واحد في قلب بيروت لم ينتهِ في 2023. لقد تحوّل إلى ثمانية عشر عاماً من إعادة تشكيل لبنان: سياسياً، وأمنياً، وطائفياً، واقتصادياً، وإقليمياً.

وهذه ربما هي الحقيقة الأهم في قراءة تلك المرحلة: لم تكن السنوات بين 2005 و2023 مجرد تاريخ متتابع للأحداث، بل كانت مرحلة واحدة طويلة من الصراع على معنى الدولة اللبنانية نفسها، ومن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يملك الحقيقة، ومن يدفع الثمن.