المصير المشترك: الحضن العربي أم التحالف الاستراتيجي مع إيران؟!
المهندس مهدي حسين الزبيدي
20/ 8 / 2026

قراءة في مواقف التاريخ والمصالح.
عندما تكون القضية هي مصير العراق وأمنه وسيادته ومستقبله، فلا بد أن نقرأ التاريخ بعين مفتوحة، وأن نضع المواقف في ميزان المصالح والحقائق، لا في ميزان الشعارات والأسماء.
فالتاريخ القريب وحده يكفي ليضع أمامنا سؤالاً واضحاً: من كان مع العراق عندما كان العراق في محنته، ومن كان عليه؟
في عقد الثمانينيات، كان العراق محكوماً بنظام البعث الذي رفع راية القومية العربية، حتى سمّى نفسه «حزب البعث العربي الاشتراكي»، وأطلق على قيادته العليا اسم «القيادة القومية». وكان العراق، بهذا المعنى، يعيش في إطار ما يُسمّى بالحضن العربي. لكن ماذا كانت النتيجة؟
لقد دُفع العراق إلى حرب استمرت ثماني سنوات مع جارته إيران، حرب لم يكن للشعب العراقي فيها ناقة ولا جمل، واستنزفت البلدين، وأزهقت مئات الآلاف من الأرواح، ودمرت اقتصادهما، وتركت آثاراً اجتماعية وإنسانية عميقة. ولم تكن الحرب بعيدة عن صراع دولي وإقليمي واسع استهدف الثورة الإيرانية الجديدة، فتحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، ودفع شعبه الثمن الأكبر.
وإذا عدنا أبعد في التاريخ، نجد أن العلاقة بين بعض الأنظمة العربية والعراق لم تكن دائماً علاقة أخوة ومساندة؛ فقد شهد العراق اعتداءات وتدخلاً في شؤونه، واستُهدفت مقدساته وأبناؤه، وكان العراق في مراحل عديدة ساحة لصراعات إقليمية ودولية أُريد له بسببها أن يبقى ضعيفاً ومضطرباً.
ثم جاء سقوط نظام البعث، بعد عقود من القمع والاستبداد والحروب، فتنفس العراقيون الصعداء وهم يتطلعون إلى بناء دولة جديدة، رغم أن ذلك تم في ظل احتلال أمريكي قاومه العراقيون سياسياً وعسكرياً حتى انسحبت القوات الأمريكية من العراق.
لكن ما إن بدأ العراق يستعيد شيئاً من هويته السياسية ويبني مؤسساته الجديدة، حتى بدأت موجات الإرهاب والتفجير والقتل تستهدف العراقيين، مستخدمة السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة وكل أدوات الموت، فسقط آلاف الشهداء ودُمرت أحياء ومؤسسات وبنى تحتية، وأُريد للعراق أن يبقى غارقاً في الفوضى والاقتتال.
ثم جاء الفصل الأخطر.
عندما بدأ العراق يبني دولته الجديدة ويثبت نظامه الدستوري، اجتاحه الإرهاب التكفيري، وتدفقت إليه جماعات من مختلف أنحاء العالم تحت راية «داعش»، في واحدة من أبشع الهجمات التي استهدفت وجود الدولة العراقية ووحدة شعبها. وهنا لم يعد التحدي سياسياً فحسب، بل أصبح تهديداً مباشراً لوجود العراق وهويته ومقدساته.هذا كله ببركات الحضن العربي.
وكان موقف العراق واضحاً في الدفاع عن نفسه، وجاءت فتوى الجهاد الكفائي للمرجع الأعلى السيد علي السيستاني دام ظله لتعبّئ أبناء الشعب العراقي للدفاع عن وطنهم، فسقط آلاف الشهداء، وتمكن العراقيون من إفشال المشروع الإرهابي والحفاظ على وحدة العراق ووجوده.
وهنا نصل إلى جوهر المقارنة:
ماذا فعل ما يُسمّى بالحضن العربي بالعراق؟ وماذا فعلت الجمهورية الإسلامية في إيران؟
عندما كان العراق تحت الحصار الخانق الذي أنهك شعبه، وحين كانت أراضي دول عربية ومطاراتها وأجواؤها ومياهها تُستخدم في العمليات العسكرية ضد العراق، كانت إيران، رغم كل ما فعله نظام البعث بها خلال حرب الثماني سنوات، تفتح حدودها أمام العراقيين وتقدم لهم ما تستطيع من المساعدة الإنسانية، في موقف لا يمكن تجاهله عند قراءة التاريخ.
وعندما تعرض العراق بعد عام 2003 لموجات الإرهاب والقتل، لم يكن موقف إيران قائماً على تفكيك العراق أو تقسيمه، بل على دعم وحدته وسيادته ومواجهة الجماعات الإرهابية التي هددت وجوده.
وحين وصل تنظيم «داعش» إلى ذروة خطره، كانت إيران من أوائل الدول التي قدمت دعماً عسكرياً للعراق، بالأسلحة والمشورة والإسناد، وسقط من قياداتها ومقاتليها شهداء على الأرض العراقية دفاعاً عن العراق ومقدساته، وكان في مقدمة هؤلاء الشهيد الفريق قاسم سليماني، الذي ارتبط اسمه بمعركة مواجهة الإرهاب في العراق.
كما أن موقف قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي قدس سره من العراق لم يكن موقفاً عابراً؛ فقد أكد في أكثر من مناسبة أهمية العراق ووحدته وسيادته ومكانته، وتعامل مع العراق باعتباره بلداً عزيزاً ذا مكانة دينية وحضارية واستراتيجية كبيرة.هذا هو موقف الجمهورية الاسلامية في ايران.
وهنا لا بد أن نكون صريحين:
التحالفات لا تُقاس بالأسماء والشعارات، وإنما تُقاس ساعة المحنة.
فليس كل من رفع شعار العروبة كان حريصاً على العراق، وليس كل من اختلف معنا في القومية أو المذهب كان عدواً لنا. المعيار الحقيقي هو: من وقف مع العراق عندما كان مهدداً؟ ومن احترم سيادته؟ ومن ساعده على تجاوز محنه؟ ومن دفع الثمن معه؟
ومن هنا، وبعد هذه المقارنة بين المواقف، لا ينبغي للعراق أن يختار بين إيران والعالم العربي على قاعدة القطيعة؛ فالعراق عربي الانتماء، وله مع محيطه العربي تاريخ وروابط ومصالح لا يمكن تجاهلها. لكن السياسة ليست عاطفة، والتحالفات الاستراتيجية لا تُبنى على الشعارات، وإنما على الجغرافيا والمصالح والمواقف والتجارب المشتركة.
ولهذا فإن ما تفرضه قراءة التاريخ ومصلحة العراق هو أن يتجه نحو تحالف استراتيجي ومصيري مع الجمهورية الإسلامية في إيران، تحالف يقوم على المصالح المشتركة، وأمن البلدين، وحماية السيادة، ومواجهة التحديات التي تهدد وجودهما واستقرارهما.
وفي الوقت نفسه، ينبغي للعراق أن يحافظ على علاقاته مع الدول العربية، وأن يوسعها ويطورها، ولكن كل دولة بمقدار قربها من العراق، وإخلاصها له، واحترامها لسيادته، وموقفها من أمنه واستقراره، ومنهجها في التعامل مع الدولة العراقية.
فلا ينبغي أن يكون الانتماء العربي وحده معياراً للتحالف، كما لا ينبغي أن يكون الاختلاف السياسي أو القومي سبباً للعداء.
إن العراق يستطيع أن يكون جسراً بين محيطه العربي وجواره الإيراني، لكنه لا يستطيع أن يجعل مصيره رهناً بشعارات أثبتت التجربة أنها لم تصمد أمام المحن.
والتحالف الاستراتيجي مع إيران لا يعني الانغلاق عن العرب، كما أن الانفتاح على العرب لا ينبغي أن يكون على حساب هذا التحالف؛ إنما الأولوية هي لمصلحة العراق.
فالمصير المشترك لا تصنعه اللغة المشتركة وحدها، ولا الشعارات القومية وحدها، وإنما تصنعه المواقف في ساعة الخطر، والمصالح في زمن الاستقرار، والوفاء عندما تكون الكلفة عالية.
وبعد كل ما مرّ به العراق، يصبح السؤال أكثر وضوحاً: من نضعه في دائرة الشراكة الاستراتيجية، ومن نضعه في دائرة العلاقات والمصالح؟
والجواب الذي تفرضه التجربة، لا العاطفة، هو أن إيران هي الأقرب إلى أن تكون شريكاً استراتيجياً ومصيرياً للعراق، بينما تبقى الدول العربية شركاء في علاقات سياسية واقتصادية وأمنية، كلٌّ بحسب قربه من العراق وصدقه في التعامل معه واحترامه لسيادته ومصالحه.
فالعراق أولاً، ومصلحته فوق كل اعتبار، ومن يثبت أنه مع العراق في محنته ورخائه، فهو الأقرب إلى العراق في مستقبله.
قال تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.




