لماذا كل هذا الخوف من سلاح المقاومة الذي حفظ وحدة العراق وعزته.. أم ما خفي كان أعظم؟!
الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

سوف أبحث هذا الموضوع بحيادية مطلقة.
لان أصل الاشكال والتحفظ فقط وفقط ….. لانه سلاحاً شيعيا وبأمتيازوقد باركته المرجعية.
لقد كان هذا السلاح ضرورة وجودية لحفظ العراق ووحدته في لحظة غياب التوازن، ولكن ضمان بقاء هذا العراق موحداً ومستقراً يتطلب اليوم الانتقال التام من مفهوم “السلاح الحامي” إلى مفهوم “الدولة المؤسسية الضامنة”. وهذا هو الاسلوب المنمق للتلاعب بالالفاظ، فالمقاومة كانوا وسيبقون هم الاحرص على وحدة العراق وسيادته ولا يستطيع أحد ان يشكك أو يساومهم على وطنيتهمفقد قدموا الاف الشهداء والجرحى والمعاقين .
خوف أم صراع على شرعية الدولة؟ قراءة تفكيكية لجدلية “سلاح المقاومة” في العراق
تتجاوز إشكالية “سلاح المقاومة” في العراق مجرد الخلاف السياسي السطحي؛ إذ تُعبّر في جوهرها عن أزمة بنيوية في العقد الاجتماعي ومفهوم “الاحتکار الشرعي للعنف” داخل الدولة الحديثة. يكمن المنشأ الأساسي لهذا الخوف المتصاعد في الفجوة العمومية بين رؤيتين تتنازعان الفضاء الوطني: رؤية ترى في هذا السلاح “ضمانة وجودية للسيادة”، وأخرى تراه “تهديداً لهيبة الدولة واستقرارها المستقبلي”.
أولاً: جذور التشكل.. من الشرعية الشعبية إلى المعادلة الأمنية
لتفكيك أسباب الخوف، لا بد من فهم القاعدة الأساسية التي انطلق منها هذا السلاح:
الشرعية التاريخية والوظيفة الوجودية: تجسدت مشروعية هذا السلاح في لحظة فارقة عقب الانهيار الأمني عام 2014 وتمدد تنظيم “داعش”. استند هذا السلاح إلى فتوى الدفاع الكفائي والدعم الشعبي الواسع، ونجح في ملء الفراغ الأمني الاستراتيجي لحماية العاصمة والمقدسات وإعادة بناء القوة التكتيكية للأرض.
التحول إلى قوة موازية: بعد انتهاء الحروب المباشرة ضد الإرهاب، تحول هذا السلاح من قوة طوارئ استثنائية إلى جهة فاعلة ذات بعد سياسي ومؤسساتي، مما أثار التساؤلات حول كيفية دمجه السلس ضمن الهيكلية الأمنيّة الوطنية دون إحداث ازدواجية في اتخاذ القرار العسكري.
ثانياً: دوافع ومسببات الخوف الاستراتيجي
ينبع القلق العام المتزايد تجاه بقاء السلاح خارج الإطار الحصري للقيادة العسكرية الرسمية من عدة تحولات جوهرية:
تآكل مفهوم “مؤسسة الدولة”: ينطلق الفكر السياسي الحديث من أن الدولة لا تستقيم إلا باحتكارها للقرار العسكري والسلاح. وجود تشكيلات مسلحة تملك هرمية قيادية مستقلة يُضعف انطباع الشارع والمجتمع الدولي بوجود دولة كاملة السيادة.
تداخل الأبعاد السياسية بالأمنية: الخوف الأكبر يتأتى من احتمال استخدام هذا السلاح -أو لوجستياته- كرصيد ضغط في النزاعات السياسية الداخلية، أو في توجيه التنافس الانتخابي وتوازنات السلطة، مما يجعله طرفاً في اللعبة السياسية بدلاً من كونه سياجاً حامياً للجميع.
الارتهان للمحاور الإقليمية: يثير القلق تداخل وظيفة هذا السلاح مع الصراعات الإقليمية والدولية المعقدة، ما يضع العراق أمام مخاطر الاستدراج إلى حروب وكالة أو مواجهات عسكرية خارجية لا تُحدد توقيتها أو نتائجها المؤسسات الدستورية للبلاد.
الآثار الاقتصادية والتنموية: ترتبط البيئة الاستثمارية ووصول رأس المال الأجنبي بشكل مباشر بمدى ثبات النظام الأمني وسيادة القانون. يرى الفكر الاقتصادي أن تعدد مراكز القرار الأمني يخلق بيئة غير محفزة للنمو والسيطرة على المنافذ والموارد.
ثالثاً: المقاربة المستقبلية.. من الصدام إلى الاستيعاب المؤسساتي
إن علاج هذا الخوف لا يتم عبر معالجات سطحيّة أو راديكالية تُلغي التضحيات والواقع الاجتماعي، بل يتطلب رؤية إستراتيجية قائمة على:
الترسيخ الحقيقي للحصر والتكامل: تحويل العقيدة القتالية وتجميع الخبرات والمقدرات التسليحية ضمن نطاق القيادة العامة للقوات المسلحة، بحيث تصبح الدولة هي الموجه والمشرف الوحيد.
الفصل التام بين السلاح والسياسة: ضمان صيانة التضحيات التاريخية عبر إبعاد أي تشكيل أمني أو عسكري عن المشهد الحزبي والانتخابي، لمنع استخدام شرعية الدفاع في التنافس السياسي.
تأسيس عقيدة دفاعية جامعة: بناء استراتيجية أمن وطني تتسع لكل الطاقات، وتعتمد المؤسسات الرسمية كوسيلة أولى وأخيرة لدفع الأخطار عن البلاد.
أي يمكننا القول من إن الخوف من السلاح ليس نكراناً للشرعية التاريخية التي حققها في لحظة الخطر الوجودي، بل هو تطلع مشروع لبناء دولة القانون الحديثة التي تحمي أبناءها جميعاً تحت مظلة مؤسساتية واحدة ومحايدة ، وهذا هو الكلام المعلن والذي لدينا علية تحفظا كبيراً؟!
المستقبل يُبنى بالحكمة لا بالصدمات، وحفظ السيادة يتطلب الانتقال من شرعية “السلاح الحامي” إلى هيمنة “الدولة الضامنة”. تتعمق الجدلية عند فحص الأبعاد البنيوية والنفسية والجيوسياسية التي تجعل هذا الملف الأكثر تعقيداً في المشهد العراقي:
1 – معضلة “الازدواجية الهيكلية” ومفهوم السيادة
تكمن الأزمة العميقة في وجود مركزين لصلابة القرار الأمني داخل جغرافيا واحدة:
أ – مفهوم الدولة الحديثة: يعتمد بالكامل على مبدأ “احتكار القوة الشرعية”، حيث تكون المؤسسة العسكرية الرسمية هي الجهة الوحيدة المبتة في قرار الحرب والسلم وتطبيق القانون.
ب – واقع القوة الموازية: وجود سلاح خارج هذا الاحتكار التام يخلق حالة من “السيادة المجزأة”؛ مما يجعل قرار خوض الصراعات أو تهدئتها مرتهناً برؤية أيديولوجية أو تنظيمية خاصة، وليس بالضرورة بإجماع المؤسسات الدستورية.
2 – العقدة النفسية والاجتماعية: انقسام الذاكرة الجمعية
المخاوف ليست مجرد هواجس سياسية، بل تعكس شرخاً في الإدراك الجمعي للمكونات الوطنية:
أ – فريق يرى فيه “دِرعاً وجودياً”: يرتبط هذا السلاح في ذهن قطاع واسع بملحمة الصمود ومنع الانهيار الكامل وإعادة الهيبة للشعب في أوقات التهديد التكفيري المباشر.
ب – فريق يرى فيه “قوة إرغام”: ينظر إليه قطاع آخر كأداة فرض إرادة سياسية وتغيير للتوازنات المجتمعية، ويخشى من تحوله لشرعنة الضغط والممارسات خارج القانون عند اتقاد الخلافات الداخلية.
3 – التعقيد الجيوسياسي وتحديات الاقتصاد
لا يمكن فصل هذا الملف عن التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة:
أ – مخاطر حروب الوكالة: يثير استقلال القرار العسكري قلقاً دائمًا من تحويل الأراضي الوطنية إلى عرصة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية العظمى.
ب – كبح النمو الاقتصادي: تفر المؤسسات المالية ورؤوس الأموال الاستثمارية من البيئات التي تتعدد فيها القوى المسلحة، حيث تُعد بيئة غير مرنة لتطبيق القانون وحماية العقود التجارية والسيطرة على المنافذ الحدوديّة.
4 – المخرج الاستراتيجي: تفكيك الخوف لا تفكيك القدرات
الوصول إلى حالة الاستقرار النهائي لا يتم عبر المواجهة أو الإلغاء، بل من خلال مسار استيعابي يتسم بالتدرج والنضج:
أ – الدمج المؤسسي الفعلي: إدماج كافة القدرات التسليحية والقتالية ضمن الهيكلية التنفيذية الرسمية (وزارتي الدفاع والداخلية) تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة حكراً.
ب – التجريد السياسي الحازم: سحب أي غطاء أو ثقل سياسي أو انتخابي عن أي قوة حالمة بالسلاح، لمنع استغلال تضحيات الماضي في مكاسب السلطة الحاضرة.
ج – بناء عقيدة أمنية شاملة: تحويل العقيدة الدفاعية من “رد الفعل المقاوم” إلى “العقيدة المؤسسية الراسخة” التي تحمي حدود البلاد واستقرارها تحت مظلة المواطنة والقانون.
الم يكن هذا السلاح هو نفسه السلاح الوحيد الذي حافظ على وحدة العراق ؟
نعم، يرى اتجاه واسع في الفكر السياسي والأمني أن هذا السلاح كان القوة الحسمية الوجودية التي منعت سقوط العراق وتقسيمه في لحظة انهيار أمني فارقة، إلا أن أسباب التخوف منه اليوم تتعلق بالتحول من “ضرورة المواجهة” إلى “معضلة إدارة الدولة”.
بين الشرعية الوجودية وتحدي الدولة: تفكيك إشكالية السلاح الحامي
لا يمكن قراءة تاريخ العراق الحديث دون التوقف عند اللحظة المفصلية عام 2014؛ حين واجهت البلاد تهديداً وجودياً تمثل في تمدد تنظيم “داعش” وسقوط ثلث المساحة الوطنية. في تلك اللحظة، شكلت الفتوى الدينية والدفع الشعبي نقطة تحول حاسمة أدت إلى ولادة قوة شعبية ومقاومة مسلحة سدت الفراغ الأمني، واستعادت زمام المبادرة الوطنية، وحافظت عملمياً على وحدة التراب العراقي.
أولاً: الأبعاد الاستراتيجية لدور السلاح في حماية الدولة
انطلق هذا السلاح من شرعية استثنائية فرضتها ظروف القاهر الأمني، وتجلت أهميته الاستراتيجية في عدة محاور:
كسر التفوق التكتيكي للإرهاب: استطاعت هذه القوات خوض حروب عصابات ومواجهات غير متماثلة تعثرت أمامها الجيوش التقليدية في البداية.
إعادة بناء العقيدة الدفاعية: منح التدفق الشعبي والنضالي القوات المسلحة الرسمية غطاءً لوجستياً وروحياً أسرع بفك الحصار عن المدن وتأمين العاصمة والمقدسات.
إفشال مشاريع التقسيم: أدى التواجد العسكري الميداني على طول خطوط التماس إلى تثبيت الحدود الإدارية بين المحافظات ومنع فرض واقع جغرافياً وسياسياً جديداً كان يهدف لتقسيم البلاد.
ثانياً: جذور الإشكالية.. لماذا يتحول “السلاح الحامي” إلى مصدر قلق؟
على الرغم من الاعتراف التاريخي بهذا الدور، إلا أن علم الاجتماع السياسي يفسر الخوف الراهن ليس كإنكار للمواقف السابقة، بل كصراع بين “منطق الثورة/المقاومة” و”منطق الدولة/المؤسسة”:
احتكار القوة والشرعية: ينص الفكر السياسي الحديث على أن استقرار أي دولة يتطلب خضوع جميع القوات المسلحة لأمر سياسي عسكري واحد (احتكار العنف الشرعي). وجود سلاح برايات وهياكل مستقلة يخلق إزدواجية في قرار الحرب والسلم.
السياسة والاقتصاد: يثير استمرار هذا السلاح خارج الضبط التنفيذي الصارم قلقاً من استغلال التضحيات التاريخية في التنافس الانتخابي، أو التأثير على الاستثمار الأجنبي وتنافسية البيئة الاقتصاديّة.
التوازنات الإقليمية: يتزايد المخاطر من زج البلاد في صراعات إقليمية أوسع خارج نطاق القرار الدستوري والمؤسساتي للدولة.
ثالثاً: الطريق نحو التحول المؤسساتي الحصين
إن معالجة هذه الجدلية لا تتطلب نكران التاريخ ولا المواجهة، بل استيعاباً استراتيجياً يحفظ التضحيات ويؤمن المستقبل:
الدمج الكامل والعضوي: تحويل هذه الطاقات القتالية والعقائدية إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الوطني تحت القيادة المباشرة للقائد العام للقوات المسلحة.
الفصل التام بين السلاح والعمل السياسي: تجريد أي عمل حزبي أو استثماري من استظهاره بالقوة المسلحة لضمان تكافؤ الفرص وسيادة القانون.
الانتقال من الشرعية التاريخية إلى الشرعية القانونية: بناء عقد اجتماعي يرى في مؤسسات الدولة الرسمية الضامن الأول والأخير لأمن جميع المكونات.
خلاصة هذا المقال :- لقد كان هذا السلاح ضرورة وجودية لحفظ العراق ووحدته في لحظة غياب التوازن، ولكن ضمان بقاء هذا العراق موحداً ومستقراً يتطلب اليوم الانتقال التام من مفهوم “السلاح الحامي” إلى مفهوم “الدولة المؤسسية الضامنة”. وهذا هو الاسلوب المنمق للتلاعب بالالفاظ، فالمقاومة كانوا وسيبقون هم الاحرص على وحدة العراق وسيادته ولا يستطيع أحد ان يشكك أو يساومهم على وطنيتهم فقد قدموا الاف الشهداء والجرحى والمعاقين .




