من الذي يخاف من السلاح الذي أنقذ العراق؟.. بوصلة المواقف..!
جليل هاشم البكاء ||

من الذي يخاف ويقلق من السلاح الذي أنقذ البلاد والعباد؟
سؤال يبدو بسيطا، لكنه يحمل في داخله الكثير من الأسئلة السياسية والتاريخية والأخلاقية. فمنذ أن اجتاح الإرهاب أجزاء واسعة من العراق، وهدد المدن والقرى والمقدسات، وأصبح خطر سقوط الدولة وتفكك البلاد احتمالا حقيقيا، لم يكن السلاح الذي حمله المقاتلون في مواجهة الإرهاب سلاحا موجها إلى العراق، بل كان موجها إلى من أرادوا للعراق أن يسقط.
اليوم، وبعد سنوات من انتهاء المعارك الكبرى ضد تنظيم داعش، تتصاعد المشاريع والدعوات المطالبة بنزع سلاح الفصائل التي شاركت في تلك الحرب، وكأن المشكلة بدأت يوم حمل العراقيون السلاح للدفاع عن بلدهم، لا يوم دخل الإرهاب إلى أرضهم.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال أكثر دقة: هل الخوف من السلاح نفسه، أم من القوة التي يمثلها هذا السلاح؟
فالذين قاتلوا الإرهاب لم يختاروا لحظة الحرب، ولم يقرروا أن تتحول مدنهم إلى ساحات قتال. عندما أصبح الخطر على أبواب بغداد، وعندما سقطت مدن ومناطق واسعة، وعندما بدا أن الدولة تحتاج إلى كل قوة ممكنة للدفاع عن وجودها، ظهر المتطوعون والمقاتلون إلى جانب القوات الأمنية، وقدموا التضحيات في معركة لم تكن معركة نفوذ عادية، بل معركة بقاء.
لقد كان السلاح في تلك اللحظة جزءا من معادلة الدفاع عن العراق.
فكيف تحول هذا السلاح، بعد انتهاء المعركة، إلى الخطر الأكبر في نظر بعض المشاريع السياسية؟
لا أحد يقول إن السلاح يجب أن يبقى بلا ضوابط، ولا إن الدولة يمكن أن تقبل بوجود قوة مسلحة خارج القانون. الدولة القوية هي التي تحتكر قرار الحرب والسلم، وتضع السلاح تحت سلطة مؤسساتها. لكن معالجة هذه المسألة شيء، وتحويل تاريخ المقاومة ضد الإرهاب إلى تهمة شيء آخر تماما.
المشكلة تبدأ عندما يجري التعامل مع السلاح وكأنه ظهر من فراغ، وكأن الذين حملوه لم تكن لهم قصة، ولم تكن لهم معركة، ولم يكن لهم شهداء، ولم يكن هناك عدو حقيقي حاول إسقاط العراق.
والأخطر من ذلك هو محاولة إعادة كتابة الذاكرة العراقية بطريقة تجعل من قاتل الإرهاب موضع اتهام، بينما يُنسى تماما من فتح الطريق أمام الإرهاب، ومن موله، ومن سلحه، ومن وفر له البيئة السياسية والإعلامية واللوجستية.
إن نزع السلاح يمكن أن يكون قرارا وطنيا إذا جاء ضمن مشروع وطني شامل، يبدأ بتعزيز الدولة ومؤسساتها، وضمان عدم عودة الإرهاب، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهور القوى المسلحة، وتوفير ضمانات حقيقية لجميع العراقيين.
أما أن يبدأ المشروع من السلاح وينتهي عنده، من دون الإجابة عن سؤال الأمن، فهذا يعني أن هناك شيئا ناقصا في المعادلة.
لأن السؤال الذي يجب أن يسبق نزع السلاح هو: من سيحمي العراق إذا عاد الخطر؟
ومن يضمن ألا تتكرر الظروف التي جعلت العراقيين بحاجة إلى قوة مسلحة للدفاع عن مدنهم ووجودهم؟
ومن يضمن ألا تتحول عملية نزع السلاح إلى فراغ تستفيد منه قوى أخرى؟
ومن يضمن أن السلاح الذي يُطلب من طرف عراقي التخلي عنه لن يقابله سلاح آخر لدى طرف آخر؟
إن العراقي الذي عاش سنوات الإرهاب يعرف جيدا الفرق بين السلاح الذي يُرفع دفاعا عن الوطن والسلاح الذي يُرفع في وجه الوطن.
ولهذا فإن التعامل مع جميع الأسلحة بمنطق واحد قد يبدو جميلا في الخطاب، لكنه لا يكون عادلا دائما في الواقع.
فالسلاح الذي واجه داعش ليس هو نفسه السلاح الذي استخدمه داعش.
والقوة التي دافعت عن المدن ليست هي القوة التي هاجمت المدن.
والذين وقفوا أمام مشروع إسقاط العراق لا يمكن وضعهم تاريخيا في الخندق نفسه مع الذين أرادوا إسقاط الدولة.
وإذا كانت هناك مشاريع خارجية تطالب اليوم بنزع سلاح المقاومة العراقية، فمن حق العراقيين أن يسألوا: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ ولماذا لا يتزامن ذلك مع ضمانات حقيقية تمنع عودة التهديدات التي أنتجت الحاجة إلى هذا السلاح؟
ثم هناك سؤال أكثر حساسية: هل المطلوب بناء دولة قوية، أم تفريغ العراق من عناصر القوة التي يمكن أن تمنع الآخرين من فرض إرادتهم عليه؟
فالعراق الذي يمتلك دولة قوية وجيشا قويا وأجهزة أمنية مقتدرة، ويضمن في الوقت نفسه عدم تعرضه لتهديد خارجي، لا يخشى من تنظيم السلاح بقدر ما يخشى من بقاء أسبابه.
أما اختزال القضية كلها في مطالبة فئة معينة بتسليم سلاحها، فهو لا يعالج جذور المشكلة، بل يعالج نتيجتها فقط.
لقد أنقذ السلاح العراق في لحظة كان فيها العراق بحاجة إليه.
واليوم، إذا أراد العراقيون أن يصبح هذا السلاح جزءا من الدولة وحدها، فليكن ذلك ضمن تسوية وطنية تحفظ كرامة من حملوه، وتحفظ تضحيات من سقطوا بسببه، وتضمن أن تكون الدولة هي الحصن الأخير للعراقيين، لا مجرد الجهة التي يُطلب منها استلام السلاح بعد انتهاء المعركة.
فالمطلوب ليس أن ننسى من أنقذ العراق، ولا أن نقدس السلاح، وإنما أن نفهم التاريخ قبل أن نصدر الأحكام.
ومن يخاف من السلاح الذي وقف بوجه الإرهاب، عليه أن يوضح لماذا يخاف منه بعد أن أصبح الإرهاب هو الذي هُزم.
ومن يريد عراقا بلا سلاح خارج الدولة، فعليه أولا أن يبني عراقا لا يحتاج فيه المواطن إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسه وأرضه.
أما أن يُطلب من الذين حملوا السلاح دفاعا عن العراق أن يتخلوا عنه، بينما تبقى أسباب الخوف والتهديد قائمة، فهذه ليست نهاية المعركة، بل ربما بداية سؤال جديد:
من الذي يخاف فعلا من السلاح الذي أنقذ العراق؟
وهل الخوف من السلاح، أم من العراق الذي أصبح قادرا على الدفاع عن نفسه؟




