الأربعاء - 19 اغسطس 2026

جنوب لبنان: حين يصبح تدمير مقومات الحياة أدوات للتهجير القسري..!

منذ 50 دقيقة
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

 

 

 

لم يعد المشهد في جنوب لبنان يقتصر على تبادل القصف أو العمليات العسكرية. فخلال الأشهر الماضية تراكمت وقائع ميدانية تشير إلى نمط أوسع: تدمير المنازل، المؤسسات التعليمية، شبكات المياه والمنشآت الحيوية، وتجريف مساحات من القرى والبلدات، بالتزامن مع إبقاء مناطق واسعة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية ومنع عودة السكان إليها.

في 16 نيسان 2026، نشرت قوات الإحتلال الإسرائيلية مشاهد توثق تفجير عشرات المنازل في بنت جبيل، ولا سيما في بلدة عيناتا، معلنًا أن العملية استهدفت ما وصفه بـ«بنى تحتية معادية».

وفي 5 أيار استهدفت غارتان مدرسة متوسطة برج قلاويه الرسمية في قضاء بنت جبيل، قبل أن يتصاعد استهداف المؤسسات التعليمية لاحقًا.

وفي 18 تموز، فُجِّرت ثانوية المهدي في بنت جبيل، فيما تحدثت وزارة التربية اللبنانية عن تدمير ثلاث مدارس رسمية في الجنوب.

وبعد عشرة أيام، في 28 تموز، أعلنت الوزارة تدمير مجمع السيد عبد الرؤوف فضل الله التربوي والإجتماعي في عيناثا، الذي يضم مؤسسات تعليمية ورعائية.

وأما الماء، وهو أحد شروط الحياة الأساسية، فلم يكن بمنأى عن التدمير.

وبتاريخ 18 آب وفي بلدة المنصوري، أفادت تقارير محلية بأن خزان المياه الرئيسي دُمّر، ما أدى إلى استمرار أزمة المياه إلى جانب الكهرباء والخدمات، فيما لم تتمكن سوى أقل من مئة عائلة من أصل نحو 650 عائلة من العودة إلى البلدة بصورة فعلية.

وفي 25 تموز وقع تفجير كبير في مشاع المنصوري، بينما استمرت عمليات التفجير والقصف في مناطق جنوبية أخرى.

وفي آب تعرضت المنصوري مجددًا للقصف، بالتزامن مع دخول الجيش اللبناني لفتح الطرق وتأمين عودة الأهالي، وأصيب عسكري لبناني أثناء عمل جرافة للجيش على إزالة الركام.
هذه الوقائع تكتسب دلالة أكبر عندما تُقرأ مع ما أعلنته اليونيفيل.

ففي آذار تحدثت القوة الدولية عن عمليات عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، وعن انتهاكات للسيادة اللبنانية والقرار 1701.

وفي تقرير أممي لاحق، وصف المتحدث باسم اليونيفيل عمليات هدم المنازل والبنية التحتية بأنها واسعة النطاق، وقال إنها أجبرت السكان على مغادرة منازلهم، فيما أصبحت مناطق واسعة تحت سيطرة قوات الإحتلال الإسرائيلية.

وهنا يبرز السؤال المركزي: هل يؤدي تدمير المنازل والمدارس وخزانات المياه والبنية الزراعية والخدمات إلى نتيجة عسكرية فقط، أم إلى جعل العودة نفسها شديدة الصعوبة ،إذا لم نقول بأنها شبه مستحيلة؟

فالقانون الدولي الإنساني يحظر التهجير القسري للسكان المدنيين، كما أن الممتلكات المدنية والمنشآت الضرورية لبقاء السكان تتمتع بحماية قانونية، ما لم تفقد هذه الحماية وفق شروط القانون الدولي.

فعندما تتكرر عمليات التدمير في المنازل والمدارس والخدمات الأساسية، يصبح الهدف المنشود من جرائم الحرب هذه هو منع عودة الأهالي إلى قراهم وحتى لو كانت مدمرة.

واللافت أن تصريحات بعض مسؤولين الإحتلال الإسرائيلي تضيف بعدًا سياسيًا إلى المشهد.

ففي 17 حزيران قال إيتمار بن غفير إن إسرائيل لا تستطيع وقف تدمير المنازل في جنوب لبنان والسماح للسكان بالعودة.
وفي 21 حزيران قال بتسلئيل سموتريتش إن الجيش الإسرائيلي سيبقى في جنوب لبنان سنوات، ثم أعلن في 23 حزيران أن الانسحاب من «المنطقة الأمنية» غير مطروح ما دام حزب الله موجودًا. وقبل ذلك، تحدث سموتريتش عن جعل نهر الليطاني «الحدود الجديدة» لإسرائيل.
أما بن غفير، فقد ذهبت تصريحاته في أيار إلى الحديث عن «خطة للاستيطان في لبنان».

هذه التصريحات لا تثبت وحدها وجود مشروع استيطاني إسرائيلي قابل للتنفيذ، لكنها تجعل من الضروري مراقبة ما يجري على الأرض، ولا سيما في المناطق التي يجري تفريغها من سكانها وتدمير مقومات عودتهم.

ففي 21 تموز، رصد صحافيو وكالة فرانس برس أعلامًا إسرائيلية وجنودًا إسرائيليين على الطريق المؤدي إلى الناقورة، مع نقطة عسكرية تمنع المرور.

إن رفع أعلام دولة محتلة داخل أراضٍ لبنانية لا يغيّر الوضع القانوني للأرض، لكنه يحمل دلالة سياسية ورمزية واضحة على فرض أمر واقع ميداني.

وتأتي هذه الوقائع في وقت يستمر فيه النقاش حول اتفاق الإطار اللبناني ـ الإسرائيلي الموقع في واشنطن بإملاءات أمريكية وإسرائيلية في 26 حزيران.

فالنص لا ينص صراحة على ضم الأراضي اللبنانية، بل ينص على إعادة انتشار إسرائيلي تدريجي، وعلى عودة آمنة للمدنيين بعد استكمال الشروط الأمنية.

ولكن المادة 13 أثارت اعتراضات شديدة من منظمات حقوقية دولية لأنها تلزم الطرفين بوقف «الأعمال العدائية أو السلبية» في المحافل السياسية والقانونية الدولية.

واعتبرت هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية أن هذه الصياغة يمكن أن تُستخدم لتقييد قدرة الضحايا ولبنان على السعي إلى العدالة أمام المحافل الدولية.

وهنا تكمن المفارقة: اتفاق يفترض أن يمهّد لعودة السكان وإعادة الإعمار، بينما يستمر على الأرض تدمير المنازل والمدارس والمنشآت الحيوية، وتصدر في الوقت نفسه تصريحات إسرائيلية عن البقاء الطويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية.

فمن غزة ورفح إلى الضفة الغربية، أظهرت التجربة أن تدمير البيئة المدنية المحيطة بالسكان يمكن أن يتحول إلى عامل يدفعهم إلى النزوح.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في لبنان ليس فقط: متى تنسحب قوات الإحتلال الإسرائيلية من الجنوب اللبناني؟
بل أيضًا: ماذا يبقى للسكان كي يعودوا إليه؟

فإذا دُمّرت المنازل، وأُحرقت الأراضي الزراعية، وهُدمت المدارس، وتضررت الطرقات، ودُمّرت خزانات المياه، وبقيت القوات المحتلة في المنطقة، ستصبح «العودة» من الناحية العملية مستحيلة تحت براثن الإحتلال وهي مختلفة تمامًا عن فتح الطرقات أمام السكان مع إنسحاب الإحتلال.

فالجنوب اللبناني لا يحتاج إلى وعود سياسية جوفاء؛ بل يحتاج إلى ضمانات فعلية لعودة سكانه، وإعادة إعمار بنيته المدنية، وحماية ممتلكاته، وتوثيق كل عملية هدم أو تهجير، وفتح مسار قانوني مستقل لمحاسبة أي جهة تثبت مسؤوليتها عن جرائم حرب أو انتهاكات للقانون الدولي.
والأهم أن أي تسوية لا تضمن الإنسحاب، والعودة، وإعادة الإعمار، والمساءلة، لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء قانوني أو سياسي لفرض أمر واقع دائم على الأراضي اللبنانية.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

20 آب/أغسطس 2026