استنزاف الوقت الأمريكي..!
رياض الفرطوسي ||

حين ينتهي أجل المهل الزمنية في أروقة السياسة الدولية، لا تعود الأسئلة تتعلق بدقة المفاوضات بقدر ما تتعلق بالحسابات المالية والسياسية لكل طرف. انقضت المهلة المحددة بستين يوماً للمذكرة المشتركة بين واشنطن وطهران، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق للمشهد الذي لا تبدو فيه العاصمة الإيرانية متضررة بقدر ما يبدو البيت الأبيض محاصراً بأزماته الداخلية وتساؤلات صحفه الكبرى حول جدوى استراتيجية التفاوض.
إن النوايا التي صُممت بها المذكرة الإقليمية، التي رعتها إسلام آباد والدوحة، أظهرت بوضوح من يملك أوراق المناورة الثابتة ومن يقتنص المكاسب اللحظية. على مدى شهرين، نجحت طهران في تثبيت وضع تفاوضي أدى إلى نتيجة حاسمة: انتزاع اعتراف ضمني بواقع جيوسياسي جديد يرفض الإذعان لمفهوم “الضغط الأقصى”. وبينما استمرت الانتقادات في الصحافة الأمريكية لعدم تقديم إيران تنازلات مجانية، كان المفاوض الإيراني يدير وقته باحترافية، مراهناً على أن استقرار ممرات الملاحة والتوافقات الإقليمية أصبحت مطلباً دولياً لا يمكن للبيت الأبيض تحمله في سنة انتخابية حرجة.
هذا المأزق الأمريكي أثار سجالاً واسعاً داخل الأروقة السياسية؛ حيث أفردت صحف مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست تحليلات مطولة تُظهر كيف تحول الصبر الاستراتيجي الإيراني إلى مكسب تكتيكي، مشيرة إلى أن الهجوم الدائم على نتائج الوساطة يعكس ارتباكاً في تحديد الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية الأمريكية. وفي المقابل، ركّزت الصحافة الإيرانية ومنافساتها الإقليمية على إبراز قدرة طهران على التحكم بمسار الملاحة ونقل الضغط، وهو ما تلقفته الدورية البريطانية فايننشال تايمز والمجلة التحليلية فورين أفيرز بالتحليل، مؤكدة أن واشنطن تُهدر ثقلها الدبلوماسي في مطاردة عناوين استعراضية، بينما تتزايد الضغوط الشعبية والملفات الشائكة في الداخل الأمريكي.
إن النتيجة الحتمية لهذه التجاذبات تبين أن طهران لم تستفد فقط من إعادة فتح المساحات البحرية ومرونة الحركة الاقتصادية، بل استطاعت نقل الضغط بأكمله إلى الداخل الأمريكي. ومع الاقتراب من الاستحقاقات الانتخابية التشريعية في واشنطن، يظهر الاستقطاب السياسي الأمريكي كأكبر حليف للهدوء الإستراتيجي الذي تمارسه إيران.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن الاتفاقات المبرمة تحت ضغط الوقت والعدسات لا تصمد ما لم تعترف بتوازنات القوة؛ وفي هذه اللعبة الطويلة، يبدو أن من يتقن الصبر الإستراتيجي هو من يفرض قواعد اللعبة في النهاية.




