الثلاثاء - 18 اغسطس 2026
منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

د. أحلام الصوفي ||

 

 

 

في ذكرى مولد سيد الخلق محمد صلوات الله عليه وعلى آله، تتجدد في القلوب مشاعر المحبة والوفاء، وتشرق الأرواح بذكر خير من أرسله الله رحمة للعالمين. إنها مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال بذكرى تاريخية، لتكون محطة نستعيد فيها المعاني العظيمة التي حملتها الرسالة المحمدية، ونراجع فيها واقعنا على ضوء القيم التي جاء بها نبي الرحمة والهداية.

لقد كان ميلاد النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله إيذاناً بميلاد مرحلة جديدة في تاريخ البشرية؛ مرحلة انتقل فيها الإنسان من ظلمات الجهل والعبودية إلى نور التوحيد والكرامة، ومن العصبية والتناحر إلى الأخوة والتكافل، ومن منطق القوة والظلم إلى مبادئ العدل والرحمة.

ولم تكن عظمة النبي في كونه رسولاً يحمل رسالة سماوية فحسب، بل في كونه نموذجاً إنسانياً متكاملاً تجسدت فيه الأخلاق والقيم. كان الصادق الأمين، والرحيم بالمؤمنين، والمنصف حتى مع من خالفه، والثابت أمام المحن، والقائد الذي استطاع أن يبني أمة على أساس العقيدة والأخلاق والوعي والمسؤولية.

ومن هنا، فإن الاحتفاء بمولده الشريف لا ينبغي أن يبقى في حدود الكلمات والمظاهر، بل يجب أن يتحول إلى وعي وسلوك وموقف. فمحبة رسول الله تُقاس بمدى تمسكنا بأخلاقه، وحرصنا على وحدة مجتمعاتنا، ونصرة المظلوم، وإغاثة المحتاج، والوقوف في وجه الظلم، والابتعاد عن الفرقة والكراهية.

وفي عالم يموج بالصراعات والأزمات، تبدو الحاجة إلى القيم المحمدية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فحين تتراجع الرحمة، ينتشر الظلم، وحين يغيب العدل تتسع دائرة الصراع، وحين تتحول القوة إلى وسيلة لإخضاع الشعوب، تصبح رسالة النبي في نصرة الحق والإنسان أكثر حضوراً وأهمية.

إن ذكرى المولد النبوي تفتح أمامنا فرصة لاستعادة الوعي برسالة محمد صلوات الله عليه وعلى آله، لا باعتبارها جزءاً من الماضي، بل باعتبارها منهجاً قادراً على مخاطبة الحاضر وبناء المستقبل. فالأمم لا تحيا بالذكريات وحدها، وإنما بما تستخلصه من تاريخها من قيم ومبادئ وتحولها إلى عمل ومسؤولية.

وفي هذه الذكرى المباركة، تتجدد صلتنا برسول الله، وتتجدد معها مسؤوليتنا تجاه أنفسنا ومجتمعاتنا وأمتنا. نحتفي بمولده لأننا نحب صاحب الرسالة، ونستحضر سيرته لأننا بحاجة إلى هديه، ونذكر أخلاقه لأن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى الرحمة والعدل والصدق والثبات.

مولد النبي محمد صلوات الله عليه وعلى آله ليس مجرد يوم في الذاكرة، بل نور يتجدد في القلوب كلما استحضرنا رسالته، وكلما جعلنا من سيرته طريقاً للعمل، ومن أخلاقه ميزاناً لمواقفنا، ومن قيمه أساساً لعلاقاتنا وحياتنا.

#ملتقى-رائدات-الفكر-الحر