الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

مصطلح “العنتريات” رحلة دلالية طريفة وقاسية..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

د. أمل الأسدي ||

 

 

 

منذ طفولتنا ونحن نسمع من أهلنا مقولة: “قصته قصة عنتر” أو “سواها قصة عنتر”؛ فارتبط (عنتر) في مخيّلتنا بالصعوبة، أو المماطلة، أو التشابك، أكثر من ارتباطه بشخصية عنترة، الشاعر الفارس الشجاع، إلا أننا لم نكن نسمع بمصطلح “العنتريات” واللافت أن هذه اللفظة تحمل وراءها رحلةً دلاليةً طريفةً وقاسيةً في آنٍ واحد؛ لأنها خرجت من اسم رجلٍ خلّدته الذاكرة العربية كمثالٍ للشجاعة والفروسية والإقدام، ثم أخذت، بمرور الزمن، تنزاح عن أصلها حتى صارت تُستعمل أحياناً في معنى يكاد يكون نقيض الصورة التي صنعها عنترة لنفسه في الشعر والتاريخ.

فـالعنتريّات منسوبة إلى عنترة بن شداد العبسي، فارس العرب وشاعرهم المعروف، الذي اقترن اسمه بالبطولة والإقدام ومواجهة الأخطار، حتى غدا “عنترة” في المخيال الشعبي اسماً يتجاوز صاحبه التاريخي إلى صورة رمزية للفارس الذي لا يتراجع أمام الخصم.

ومن هنا كان من الطبيعي أن تُشتق من اسمه أوصاف مثل “عنتري” و”عنتريّة” و”عنتريّات” لتدل على الجرأة والفروسية والمواقف التي تستحضر صورة عنترة في شدته وإقدامه.

لكن اللغة لا تبقى أسيرة أصولها دائماً؛ إذ تتدخل الثقافة الشعبية والاستعمالات اليومية والسخرية الاجتماعية في إعادة تشكيل دلالات الكلمات، وهكذا بدأت “العنتريات” تفارق معناها البطولي، لتدخل ميداناً آخر.

إذن، يمكن أن تأتي “العنتريات” في توظيف جاد عندما يُراد بها الإقدام والجرأة، فيقال مثلًا: كان موقفه عنترياً في مواجهة الخطر، فتظل صلة اللفظة بصورة الفارس الشجاع حاضرة.

ويمكن أن تُقال عن شخص إنه يمارس “العنتريات”، ولا يكون المقصود مدحه بالشجاعة، بل يكون المراد أنه يرفع صوته، ويكثر من التهديد، ويستعرض القوة، وربما يتحدث بما يفوق قدرته الحقيقية على الفعل، وهنا تنقلب الكلمة من الإشادة إلى النقد.

فـ “العنتريات” في الاستعمال المعاصر تميل أكثر إلى التوظيف الساخر والتهكمي؛ فنسمع مثلاً: العنتريات الإعلامية، أو العنتريات السياسية، أو العنتريات الكلامية، والمقصود هنا ليس البطولة، بل ذلك النوع من البطولة التي تعيش في الخطب أكثر مما تعيش على أرض الواقع.

وقد تشتد السخرية أكثر حين تضاف إليها أوصاف مثل “الفارغة” فتصبح “العنتريات الفارغة” تعبيرا عن خطاب مرتفع النبرة، كثير الوعيد، قليل النتائج، عندها تتحول الكلمة إلى أداة نقد قاسية؛ لأنها تستحضر عنترة الحقيقي، بما يمثله من شجاعة بالفعل، ثم تضع في مقابله من يكتفي بالتظاهر بالشجاعة!!

وهنا تكمن المفارقة الجميلة والقاسية في آنٍ واحد: عنترة كان فارساً فصارت “العنتريات” وصفاً لمن يتظاهر بالفروسية، وأصبحت الكلمة تُقال سخريةً ممن يكثر الكلام عن الشجاعة ولا يمارسها.

فالاستعمال الشعبي العراقي لعب دورا في توسيع الدلالة، فعبارات من قبيل “سواها قصة عنتر” أو “قصته قصة عنتر” لا تشير إلى الشجاعة، وإنما توحي بأن الأمر طال، وتشعّب، وتعقّد، وأصبح بحاجة إلى سرد طويل، وفي هذا الاستعمال تنتقل شخصية عنترة من الفارس التاريخي إلى عالم القصص والحكايات الطويلة التي ظل الناس يتناقلونها جيلاً بعد جيل.

ومن الطريف أن الاسم الواحد أصبح يحمل في الذاكرة الشعبية أكثر من مستوى: عنترة الفارس، وعنتر الحكاية الطويلة، والعنتريات بوصفها استعراضاً للقوة أو جرأةً مفرطة أو بطولةً كلامية،

وهذا أحد أسرار اللغة الحية؛ فهي لا تحفظ الكلمات في خزائن المعاجم، بل تدفع بها إلى الشارع والصحافة والسياسة والمجالس الشعبية، فتكتسب الكلمة في كل محطة دلالة جديدة

ولهذا فإن “العنتريات” مصطلح ثقافي صغير يختزن تحوّلاً كبيرًا: من الفروسية إلى الاستعراض، ومن البطولة إلى ادّعائها، ومن الجد إلى السخرية، ومن عنترة الذي قاتل فعلاً إلى “عنترة” الذي يكثر من الكلام عن القتال.

إنها بالفعل رحلة دلالية طريفة وقاسية؛ طريفة لأنها تكشف قدرة المخيال الشعبي على إعادة صناعة الكلمات، وقاسية لأنها أخذت اسم واحد من أشهر فرسان العرب، ثم جعلت منه، في بعض الاستعمالات الحديثة، أداةً للسخرية من أولئك الذين يرفعون أصواتهم أكثر مما يرفعون سيوفهم.

أخيرا، كفانا الله وإيّاكم شرّ العنتريات وأبعد عنّا المتعنترين!
ـــــــــــــــــــــــــ