الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

حصر السلاح وبناء الردع الوطني: من نزع القدرة إلى توحيدها..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

علي الزبيدي ||

 

 

 

إن النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في العراق لا ينبغي أن يُدار بوصفه صراعًا بين الدولة والقوى المسلحة، ولا بوصفه مفاضلة بين بقاء السلاح خارج المؤسسات وبين دولة عاجزة عن حماية أمنها.

فالمسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك: كيف يستطيع العراق أن ينتقل من تعدد مصادر القوة والردع إلى منظومة وطنية موحدة، من دون أن يفقد خلال عملية الانتقال قدرته على الدفاع عن نفسه أو أن يتحول مشروع بناء الدولة إلى سبب لصدام داخلي؟

ومن هنا ينبغي التمييز بين أمرين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: السلاح بوصفه أداة، والردع بوصفه قدرة وطنية.

فالمطلوب ليس أن يتخلى العراق عن الردع، وإنما أن ينتقل الردع تدريجيًا من مصادر متعددة إلى الدولة ومؤسساتها الدستورية. وليس المطلوب إلغاء القدرة على مواجهة التهديدات الخارجية، وإنما إعادة تنظيم هذه القدرة بحيث يصبح قرار استخدامها وقيادتها وإدارتها خاضعًا لإرادة وطنية واحدة.

أولًا: الدولة القوية ليست الدولة التي تنزع السلاح فقط

احتكار الدولة للقوة ليس مجرد إجراء قانوني، وإنما هو نتيجة لامتلاك الدولة القدرة الفعلية على حماية إقليمها ومواطنيها ومؤسساتها.

فلا يكفي أن تقول الدولة: «سلّموا السلاح»، إذا كانت عاجزة عن حماية حدودها ومجالها الجوي ومنشآتها الحيوية، أو عن إنتاج المعلومات الاستخبارية اللازمة لمواجهة التهديدات، أو عن الرد على الاعتداءات التي قد يتعرض لها العراق.

ولهذا فإن السؤال الصحيح لا ينبغي أن يكون:

متى نسلّم السلاح؟

بل ينبغي أن يسبقه سؤال أكثر جوهرية:

متى تصبح الدولة قادرة فعليًا على أن تكون البديل الأمني الكامل؟

وهنا ينتقل الخطاب من «السلاح ضرورة» إلى مفهوم أكثر دقة وقوة سياسيًا: القدرة الدفاعية ضرورة.

فإذا كان الهدف النهائي هو أن تصبح الدولة المصدر الوحيد المشروع للقوة، فيجب أن تكون الدولة أيضًا المصدر الوحيد القادر على توفير الأمن والردع والحماية.

ثانيًا: لا ينبغي أن يكون الخيار بين السلاح خارج الدولة أو دولة بلا ردع

إن العراق لا يحتاج إلى الاختيار بين نموذجين متطرفين:

قوى مسلحة متعددة خارج منظومة وطنية موحدة، أو دولة مجردة من القدرة على الردع.

بل يحتاج إلى مسار ثالث يقوم على:

ردع متعدد المصادر في المرحلة الانتقالية، ينتهي إلى ردع وطني موحد تحت قيادة الدولة.

وهذه النقطة جوهرية؛ لأن إعادة بناء الدولة لا تعني تفكيك قدراتها الدفاعية، وإنما تعني إعادة توحيدها وتنظيمها ونقل قرارها تدريجيًا إلى المؤسسات الدستورية.

وبذلك يصبح السلاح وسيلة انتقالية يجري تنظيمها وفق القانون، وليس غاية سياسية بحد ذاته، كما تصبح الدولة هي الوجهة النهائية للقدرة والقرار.

ثالثًا: شرط القدرة يجب أن يسبق شرط التسليم

لا ينبغي أن يكون حصر السلاح عملية مفاجئة أو غير مشروطة، لأن الفراغ الأمني الناتج عن إزالة قدرة ردعية قبل توفير البديل قد يخلق مخاطر أكبر من المشكلة التي يفترض أن تعالجها العملية.

لكن هذا لا يعني أن يكون امتلاك السلاح خارج الدولة مفتوحًا إلى أجل غير مسمى.

الحل هو التزام متزامن ومتبادل:

كلما تقدمت الدولة في بناء قدراتها الدفاعية، تقدمت القوى المسلحة في إعادة تنظيم سلاحها ووضعه ضمن الإطار القانوني الوطني.

ويمكن أن يتم ذلك على مراحل:

1. بناء منظومات الدفاع الجوي والإنذار المبكر والاستخبارات وحماية الحدود والمنشآت الحيوية.
2. إخضاع الأسلحة الثقيلة والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة وسائر القدرات الاستراتيجية إلى منظومة القيادة والسيطرة الوطنية.
3. تنظيم أو دمج الأفراد المستوفين للشروط القانونية داخل المؤسسات الرسمية.
4. سحب الأسلحة التي لا يسمح القانون بحيازتها خارج المؤسسات المختصة.
5. الوصول في النهاية إلى احتكار الدولة الكامل للقرار العسكري واستخدام القوة.

وهكذا لا يصبح التسليم قفزة في المجهول، وإنما يصبح المرحلة الأخيرة لمسار بناء القدرة الوطنية.

رابعًا: معيار القانون يجب أن يحل محل معيار الولاء

إذا أرادت الدولة أن تنجح في مشروع حصر السلاح، فعليها أن تتخلى عن الانتقائية.

فالمعيار لا ينبغي أن يكون:

من هو حامل السلاح؟

ولا: لمن ينتمي سياسيًا؟

ولا: هل هو مؤيد للحكومة أم معارض لها؟

ولا: هل يرتبط بقوة إقليمية أم لا؟

بل السؤال الوحيد الذي ينبغي أن يحكم المعالجة هو:

هل هذا السلاح وهذه القوة يخضعان للقانون العراقي، وللقيادة والسيطرة الوطنية، وللقواعد الدستورية المنظمة لاستخدام القوة؟

وبهذا يصبح حصر السلاح مشروع دولة، لا مشروع طرف سياسي ضد طرف آخر.

فالاحتكار القانوني للقوة لا يمكن أن يكون انتقائيًا؛ لأن الدولة التي تطبق معيارًا على جماعة وتتسامح مع المعيار ذاته عندما يتعلق بجماعة أخرى لا تبني احتكارًا للقوة، وإنما تعيد توزيع القوة وفق موازين سياسية مؤقتة.

خامسًا: لا ينبغي تحويل الدولة إلى طرف في صراع داخلي

نجاح عملية إعادة تنظيم السلاح يتطلب أن تظهر الدولة باعتبارها حكمًا ومنظمًا للقوة، لا طرفًا في حرب داخلية على القوة.

ولهذا فإن أي استراتيجية وطنية ينبغي أن تقوم على إطار سياسي وأمني واسع يضم المؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية والخبراء ومختلف القوى السياسية المعنية، بما يضمن أن تكون العملية وطنية في أهدافها وآلياتها.

ولا يعني ذلك منح أي جماعة حق تعطيل قرار الدولة، وإنما يعني منع تحول قضية السلاح إلى قضية وجودية يشعر فيها طرف بأن فقدان السلاح يعني فقدان الحماية أو التعرض للإقصاء.

فالانتقال الآمن يحتاج إلى طمأنة سياسية وأمنية متبادلة، لأن الثقة شرط سابق لإعادة توزيع القوة.

سادسًا: إعادة تنظيم السلاح يجب أن تقوم على التزام متبادل

لا ينبغي أن يكون مضمون العملية:

«سلّموا السلاح أولًا، ثم نرى ماذا ستفعل الدولة».

كما لا ينبغي أن يكون:

«لن نسلّم السلاح ما دامت الدولة غير قادرة».

كلا الموقفين يؤديان إلى طريق مسدود.

والبديل هو صيغة تعاقدية وطنية واضحة:

الدولة تتعهد ببناء القدرة الدفاعية الوطنية، والقوى المسلحة تتعهد بالانتقال التدريجي من القوة المستقلة إلى القوة المنظمة ضمن الدولة.

تلتزم الدولة بحماية الحدود والمجال الجوي والمياه والأمن الداخلي والمنشآت الحيوية، وبامتلاك القدرة السياسية والعسكرية على مواجهة الاعتداءات الخارجية، وبإخضاع جميع القوى لقواعد قانونية واحدة.

وفي المقابل تلتزم القوى المسلحة بعدم استخدام السلاح في النزاعات السياسية الداخلية، وعدم إنشاء قوة موازية للدولة، والقبول التدريجي بالقيادة والسيطرة الوطنية، وتسليم أو إعادة تنظيم الأسلحة التي لا يسمح القانون بحيازتها.

وبذلك يتحول المسار من معادلة استسلام إلى عملية انتقال مؤسسي.

سابعًا: يجب أن تكون هناك ضمانات تمنع الانزلاق إلى الصدام الداخلي

إن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة هو أن تجعل معالجة ملف السلاح نفسها سببًا للحرب الداخلية.

ولهذا ينبغي الاتفاق مسبقًا على أن الخلافات المتعلقة بالدمج أو الانتشار أو القيادة أو التسليم أو المخالفات القانونية لا تعالج بمنطق التصفية السياسية أو العقاب الجماعي.

بل تكون هناك آليات واضحة:

القانون والقضاء، وآليات سياسية للحوار، وآليات أمنية مؤسسية لمعالجة الخلافات.

ولا يجوز أن يتحول شعار «حصر السلاح» إلى غطاء للاعتقال الانتقائي أو الاستهداف الجماعي أو اقتحام المناطق أو تصفية الخصوم.

فالغاية من بناء الدولة هي إنهاء تعدد مراكز القوة، لا إنتاج صراع جديد حولها.

ثامنًا: ينبغي أن يكون انتقال السلاح مرتبطًا بمؤشرات قابلة للقياس

عبارة «عندما تصبح الدولة قوية» لا تكفي لصناعة سياسة وطنية؛ لأنها تترك معيار الانتقال مفتوحًا للتفسير السياسي.

لذلك ينبغي وضع مؤشرات وطنية للجاهزية الدفاعية، من بينها:

* امتلاك قدرة كافية على مراقبة المجال الجوي والإنذار المبكر.
* امتلاك منظومة استخبارات وطنية متكاملة.
* السيطرة الفعلية على الحدود.
* القدرة على حماية المنشآت الحيوية ومصادر الطاقة.
* امتلاك قدرة فعالة على مكافحة الإرهاب.
* توحيد سلسلة القيادة والسيطرة العسكرية والأمنية.
* امتلاك قدرة استجابة سريعة للتهديدات والاعتداءات.
* وجود تشريع واضح ينظم حيازة السلاح واستخدامه.
* امتلاك الدولة قرارًا وطنيًا واضحًا بشأن الحرب والسلم.
* تنظيم وجود القوات الأجنبية داخل العراق وفق القانون والاتفاقات الرسمية، ومنع استخدام الأراضي العراقية في أعمال عسكرية خارج القرار الوطني.

وعندما تتحقق هذه المعايير بدرجات متفق عليها، تنتقل العملية إلى المرحلة التالية.

وبذلك يتحول حصر السلاح من شعار سياسي إلى برنامج أمني قابل للتقييم والمساءلة.

تاسعًا: الردع أوسع من السلاح

إن اختزال الردع في امتلاك البنادق والصواريخ والطائرات المسيّرة اختزال لمفهوم الأمن القومي.

فالردع الحديث يتكون من منظومة متكاملة تشمل:

القوة العسكرية، والاستخبارات، والدفاع الجوي، وحماية الحدود، والأمن السيبراني، والاقتصاد، والدبلوماسية، والتحالفات، والقدرة على تعبئة الموارد، والإرادة السياسية على اتخاذ القرار.

ومن ثم فإن السؤال الاستراتيجي للعراق لا ينبغي أن يكون:

من يمتلك السلاح؟

فحسب، وإنما: من يمتلك منظومة الردع الوطني، ومن يملك قرار استخدامها؟

وعندما تصبح الإجابة: الدولة العراقية ومؤسساتها الدستورية، يكون العراق قد انتقل فعليًا من تعدد مصادر القوة إلى الدولة الوطنية القادرة.

عاشرًا: المبدأ السياسي الجامع

بناءً على ذلك، يمكن صياغة الموقف السياسي في قاعدة واحدة:

لا سلاح خارج القانون، ولا دولة بلا قدرة على الردع، ولا نزع للسلاح على أساس انتقائي، ولا انتقال بالقوة، ولا احتكار فعلي للقوة قبل أن تمتلك الدولة القدرة الفعلية على حماية مواطنيها وإقليمها ومصالحها الوطنية.

وهذه ليست محاولة لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة، كما أنها ليست قبولًا ببقاء مراكز قوة دائمة خارج مؤسساتها.

إنها دعوة إلى نقل القدرة لا إلغاء القدرة، وإعادة تنظيم الردع لا تفكيكه، وبناء الدولة لا إضعافها.

فالهدف النهائي يجب أن يكون واضحًا: أن يصبح السلاح والقرار العسكري والردع الاستراتيجي جميعها تحت سلطة الدولة العراقية، ولكن من خلال انتقال تدريجي وآمن وعادل، يضمن ألا يتحول بناء احتكار الدولة للقوة إلى احتكار طرف سياسي للقوة، وألا يؤدي نزع أدوات الردع من طرف إلى خلق فراغ تستغله تهديدات خارجية أو داخلية.

ومن هنا تأتي الحجة الأكثر قوة:

إذا كان المطلوب من القوى المسلحة أن تتخلى عن قدرتها على الردع لصالح الدولة، فلماذا لا يكون السؤال الأول: كيف نبني قدرة الدولة على الردع؟ ثم يأتي السؤال الثاني: كيف ننقل إليها السلاح والقدرة والقرار بصورة تدريجية وآمنة؟

فالدولة لا تُبنى بمجرد جمع السلاح؛ وإنما تُبنى عندما تصبح قادرة على حماية من يتخلى عن سلاحه، وقادرة على ردع من يهددها، وقادرة على تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.

وعندها فقط يصبح احتكار الدولة للقوة نتيجة طبيعية لقوة الدولة، لا مجرد إعلان سياسي عن قوتها.