الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

حين يعجز العدو عن كسر الشيعة من الخارج..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

من قواعد الصراع الإستراتيجي أن العدو ، حين يعجز عن كسر خصمه من الخارج، يبحث عن نقطة ضعف في الداخل. وهذه ليست قاعدة تخص الشيعة وحدهم، بل هي من أكثر الأساليب حضوراً في إدارة الصراعات السياسية والاجتماعية:

بدلاً من مواجهة القوة المتماسكة مباشرة، يجري العمل على تفكيكها من الداخل وتحويل اختلافاتها إلى أدوات استنزاف. لقد أدرك الخصوم، عبر التجربة، أن المجتمعات التي تمتلك عقيدة وهوية وذاكرة تاريخية وقدرة على الصمود لا يمكن إخضاعها بسهولة بالقوة المباشرة.

ولذلك تصبح المعركة الأكثر كفاءة هي نقل الصراع من مواجهة «العدو الخارجي» إلى صناعة «العدو الداخلي»…

وهنا تبدأ أخطر مراحل الاختراق. ليس المطلوب دائماً صناعة شخص يتلقى الأوامر بصورة مباشرة. في كثير من الأحيان يكفي إستثمار (شخص ضعيف) فكرياً أو سياسياً أو أخلاقياً، تحركه مصلحة شخصية، أو طموح، أو مال، أو رغبة في النفوذ والشهرة. فالخصم الذكي لا يحتاج إلى شراء ولاء الإنسان بالكامل؛

يكفي أن يكتشف نقطة ضعفه ويجعل مصلحته الشخصية تتقاطع مع أهدافه. وعندها قد يتحول الشخص إلى أداة تؤدي وظيفة إستراتيجية أكبر منه، حتى وإن كان يعتقد أنه يتحرك بإرادته المستقلة، وهنا الخطورة الحقيقية، فالهدف ليس بالضرورة أن تجعل الشيعة يتخلون عن هويتهم، بل أن ” تجعلهم ينشغلون بأنفسهم عن خصومهم الحقيقيين”، يصبح السياسي مشغولاً بإسقاط السياسي الآخر، والإعلامي بتشويه الإعلامي الآخر، والتنظيم بمواجهة التنظيم، والجمهور بتخوين الجمهور. وتبدأ الموارد والطاقات والوقت في الاستنزاف داخل البيئة نفسها. وهكذا يتحقق أخطر أنواع الإنتصار:

أن يتحرك الجميع، ولكن في الإتجاه الخطأ.

لكن من الخطأ أيضاً أن ننظر إلى كل خلاف داخلي باعتباره مؤامرة. الاختلاف السياسي والفكري طبيعي، بل قد يكون ضرورياً لأي مجتمع حي. المشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في تحوله إلى تفكيك للثقة وتحطيم للقدرة على العمل المشترك.

هناك فرق كبير بين التعددية والتشظي، التعددية تنتج خيارات، أما التشظي فينتج عجزاً.ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح الولاء الشخصي أهم من الكفاءة، والمال أهم من المبادئ، والشهرة أهم من الإنجاز، والتنظيم أهم من المصلحة العامة، والتخوين بديلاً عن الحوار، ومن هنا فإن مواجهة الاختراق لا تكون فقط بملاحقة الأشخاص، بل (بإصلاح البيئة) ، التي تسمح لهم بأن يصبحوا مؤثرين.

فإذا كان المال قادراً على شراء النفوذ، سيظهر من يبيع النفوذ. وإذا كانت الشهرة قادرة على صناعة الزعامة دون إنجاز، سيظهر الباحثون عن الشهرة.

وإذا كان الفساد محمياً، فسيتكاثر الفاسدون. لذلك فإن الحوكمة السياسية والأخلاقية ليست قضية إدارية، وإنما جزء من الأمن الإستراتيجي. المجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الخلافات، وإنما المجتمع الذي يمتلك مؤسسات ومعايير تمنع الخلاف من التحول إلى حرب داخلية. وهنا ينبغي أن يصبح السؤال الإستراتيجي مختلفاً:

ليس فقط: من قال؟، بل أيضاً: من المستفيد… وليس فقط: من بدأ الأزمة؟، بل: من يربح من استمرارها؟، وليس فقط: من يهاجم من؟، بل:

لماذا يحدث ذلك الآن، وما النتيجة التي ستنتج عنه؟. هذه الأسئلة لا تعني إتهام الآخرين، وإنما تعني الإنتقال من رد الفعل إلى التحليل الإستراتيجي. فالخصم الخارجي يستطيع أن يضغط، ويحاصر، ويشن حرباً إعلامية وسياسية، لكنه يجد صعوبة أكبر في كسر مجتمع يمتلك وعياً ومؤسسات وقدرة على إدارة اختلافاته.

أما إذا نجح في تحويل الاختلاف إلى كراهية، والنقد إلى تخوين، والسياسة إلى صراع مصالح، والمال إلى وسيلة لشراء المواقف، فإن المجتمع يبدأ باستنزاف نفسه بنفسه. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في منع العدو من الدخول إلى البيت، بل في بناء بيت سياسي وفكري وأخلاقي لا يستطيع العدو أن يجد داخله من يفتح له الباب.

فالقوة ليست في أن لا نختلف. القوة في ألا يستطيع أحد أن يجعل اختلافنا سلاحاً ضدنا.