الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

حلف مكة… في أول اختبار له..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 18 اغسطس 2026

عباس سرحان

 

 

 

استيقظنا على أخبار ضرب القوات التركية المتمركزة في مطار أبو الظهور العسكري بريف إدلب الشرقي، من طائرات “مجهولة”. الهجوم جاء بعد أسابيع قليلة من إعلان السعودية وتركيا وباكستان عن “حلف مكة”، الذي قيل إنه حلف دفاعي اسلامي شرقي على غرار الناتو الغربي. لكن قبل أن نتحدث عن دور هذا الحلف في مواجهة هذا التطور، لا بد أن نعرف من صاحب المصلحة في ضرب القوات التركية في مطار أبي الظهور.

من هو الملثم الذي يضرب في كوردستان وسورية والخليج ويهرب متخفيا تحت جنح الظلام! كل أصابع الاتهام تُشير إلى إسرائيل. فمنذ سقوط النظام السابق في سوريا أواخر 2024، نفذ الطيران الإسرائيلي العديد من الغارات في سوريا، والمرجح انه نفذ الغارة الاخيرة ايضا مدفوعا بخشية من دور تركي متنام في سورية.

فالتفاهمات المتنامية بين دمشق وأنقرة، وما يُتداول عن نيّة تركيا إقامة قواعد عسكرية دائمة ونشر منظومات دفاع جوي في الأراضي السورية، أمر يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره تطورًا يحمل تداعيات أمنية مباشرة، خصوصا أن تركيا لا تختلف عن اسرائيل لجهة الأطماع التوسعية في المنطقة.

لذا فإن استهداف المطار هو رسالة سياسية وعسكرية موجهة بالدرجة الأولى إلى تركيا، مفادها رفض تل أبيب تحوّل الأراضي السورية إلى قاعدة انتشار تركي طويل الأمد. ومعلوم أن إسرائيل لطالما تصرفت في الأجواء السورية وكأنها ملعبها الخاص دون رادع، فلا غرابة أن ترى في أي تمدد تركي منافسًا يستحق الرد المبكر، لا شريكًا يُمكن تقاسم الغنائم العربية معه.

وبالعودة إلى موضوع حلف مكة، فدولهُ الآن في امتحان عسير. فإن قالوا “لا نعرف من ضرب حليفنا التركي”، فهذه طامة كبرى؛ دول تعتبر نفسها كبرى في العالم الإسلامي، ولها حلفاء كالأمريكان والأوروبيين، بما لديهم مجتمعين من إمكانات تكنولوجية وفنية وعسكرية وأقمار اصطناعية، ولا يعرفون من أين طارت الطائرات التي ضربت الأتراك في سوريا؟ إنه إذن حلف هزيل، لا يخيف حتى قطط الحي!

وإن عرفوا أنه الإسرائيلي وصمتوا، فالطامة هنا أكبر؛ لأن اعضاء الحلف حينها يبعثون رسالة بأن حلفهم جبان لا يقوى على مواجهة التحديات، وتريده السعودية – التي دعت لتشكيله – لتخيف به الفصائل العراقية، وتواجه به إيران. وعلى ذكر الفصائل العراقية، نجد انه الوقت المناسب لنسأل السعوديين. كيف عرفتم أن من ضربكم سابقًا هي الفصائل العراقية، فسارعتم لضربها رغم أنها نفت، بينما اليوم لا تعرفون من ضرب حليفكم التركي في سوريا، وقيّدتم العملية ضد مجهول؟

حلف مكة الآن في أول امتحان عملي، وقد جاء هذا الامتحان في وقت عسير وغير منتظر. والمفروض أن السعودية الآن، ولكي تحفظ هيبة تعهداتها، تهبّ لنصرة شريكها التركي، وتحرّك طائراتها العملاقة ومدمراتها البحرية وجيوشها الجرارة لتلقّن المعتدي درسًا. وان وجدت ذلك صعبا فعليها على الأقل أن ترعد وتزبد وتصدر بيان استنكار واستهجان. أما أن تصمت وتدس رأسها في الرمل مثل النعامة، فهذا أمر مخزٍ والله.

أما موقف الحاج أردوغان، الذي وقّع على الحلف بيده، فهو أكثر من يجب عليه أن يطالب بتفعيل بنوده، وأن يدعو السعودية لمشاركته هذه المصيبة. فالمطار المستهدف يقع في أرض سورية فيها قوات تركية، أي أن الاعتداء مسّ شريكًا أساسيًا في الحلف، وهو ما يبرر تفعيله.

لكن يبدو أن حلف مكة مجرد راية طائفية، لا أكثر ولا أقل؛ حبر على ورق، وقصف المطار شاهد على عجزه، وعلى أن السعودية لا تملك الجرأة لمواجهة من اعتدى على حليفها التركي، وتكتفي بالصراخ على العراق والشيعة، لأن معركتها ضدهم مدعومة امريكيا واسرائيليا.

ولكن لا بأس!

إذا كان هذا هو “الناتو الإسلامي” الذي بُشّرنا به، فمبروك عليكم الحلف، فقد أثبت أنه لا يصلح حتى لمعارك تويتر، أما في السماء والأرض، فالأزرق يمرح ويقصف ويعود إلى قواعده سالمًا.