أسرار إخوان الصفا الحلقة الثانية: الوصفة السرية لصناعة الإنسان الكامل..!
رياض الفرطوسي ||

“المثل الأعلى للرجل الكامل عند إخوان الصفا هو أن يكون فارسي النسب، عربي الدين، عراقي الآداب، عبراني المخبر، مسيحي المنهج، شامي النسك، يوناني العلم، هندي البصيرة، صوفي السيرة، فلكي الأخلاق، رباني الرأي، إلهي المعارف…”
بهذه المقطوعة الفريدة، كشف إخوان الصفا عن إحدى أكثر الرؤى المعرفية جراءة في تاريخ الفكر الإنساني. لم يكن هذا النص الشبيه بالمعزوفة الثقافية مجرد رصٍّ بلاغي للمحاسن والفضائل، بل كان المانيفستو (البرنامج الفكري ) الأول لما يُعرف اليوم في الفلسفة المعاصرة بـ “الكونية الثقافية” و”التركيب العابر للحضارات”.
في عصرٍ كانت الحدود العقائدية تُرسَمُ فيه بالسيف، والتقوقعات المذهبية تخنق العقل البشري، قررت هذه الجماعة المجهولة أن تكسر جدران العزلة لتستلهم الجوهر الإنساني الشامل. لقد آمنوا أن الحقيقة المطلقة ليست ملكاً حصرياً لأمةٍ بعينها، ولا يمكن احتكارها داخل دينٍ واحد أو لسان واحد، بل هي موزعة كأجزاء الموزاييك بين جميع الشعوب والتراثات الإنسانية.
هذا الانفتاح المعرفي العجيب لم يأتِ وليد الصدفة العابرة، بل استند إلى قاعدةٍ أصلوها في أدبياتهم الخفية: “نحن لا نعادي علماً من العلوم، ولا نتعصب لمذهب من المذاهب”. ومن خلال هذه الرؤية الصادمة لعصرهم، أحدث إخوان الصفا قطيعةً جزرية مع الانغلاق الفكري، ليمارسوا ما تشبه عملية القيصرية الفلسفية التي تهدف إلى مَزج الحكمة اليونانية الفيثاغورية والتحليل الأرسطي مع الإشراق الهندي، والروحانية المسيحية، والنسك الشامي، في سبيكة واحدة تُطهّر الشريعة مما علق بها من تعصبٍ وجهل. لقد صمموا مفهوم “الإنسان الكامل” بوصفه مشروعاً لوعيٍ كوني يستوعب أبعاد الوجود كافة؛ العقل والروح، المادة والغيب، العلم والأخلاق.
لكن هذا الفردوس الفكري واليوتوبيا المعرفية لم تكن تسبح في أوهام الخيال الفردي، بل استندت إلى هيكلٍ تنظيمي في غاية الصرامة والإحكام. وقبل أن تظهر الحركات السرية والمنظمات الفكرية الحديثة في أوروبا بقرون طويلة، وضع إخوان الصفا نظاماً هرمياً دقيقاً، تشابه في أبعاده مع الطريقة الفيثاغورية القديمة التي تجعل من “العدد” شفرةً للكون والنفس. لقد مارسوا عبادة المعرفة في مجالس مغلقة، مقسمين أعضاءهم إلى مراتب ودرجات روحية وفكرية تضمن بقاء سرهم المكتوم وتدفق أفكارهم في شرايين المجتمع العباسي دون أن تطالهم مقصلة السلطة أو تكفير العامة.
إن هذه الخلطة السحرية بين العلم والفلسفة والأخلاق الروحية، والتي امتزجت في أحشاء بغداد والبصرة، تجعل من تجربة إخوان الصفا محطةً فارقة في مسار الفلسفة التأملية. لكن كيف استطاعت هذه الجماعة إدارة نظامها السري بفعالية؟ وما هي تلك المراتب والمجالس الخفية التي تدرج فيها الأتباع لصناعة هذا الإنسان المنشود؟ هذا ما ستكشفه تفاصيله المدهشة في الحلقة القادمة.




