الاثنين - 17 اغسطس 2026

الإحتفال بميلاد”السيد” الرسول خير وبركات أم “بدعة” خرافية؟!

منذ ساعتين
الاثنين - 17 اغسطس 2026

محمود المغربي ||

 

 

 

لو نراجع تاريخ الأمة الإسلامية على مدى 1400 عام، سنجد أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف—على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم—كان سلوكًا متجذّرًا وقائمًا وأصيلًا.

بل إن الاحتفال بالمولد هو الاحتفال الأبرز والأعظم في جميع الاقطار الإسلامية في مصر واليمن وبلاد الشام وأفريقيا، وفي دول وسط وشرق آسيا.

وكانت الشعوب تتنافس على من سيتصدّر المشهد في الاحتفال بالمولد النبوي، ولا تزال أغلب الدول الإسلامية تحتفل بهذه المناسبة العظيمة.

وقد جعلت الدولة العثمانية من المولد النبوي الشريف أهم مناسبة لها، ولا يزال الأتراك يحتفلون بالمولد، وكذلك كل الشعوب، باستثناء الدول التي تغلغل فيها الفكر الوهابي—هذا الفكر الدخيل على الأمة—الذي جعل من محاربة كل ما من شأنه ربط الأمة بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاربة كل من يعظّم ويقدّس رسولَ الله، قضيته. بل وضع كل من يحب رسول الله وآل بيته في خانة الروافض والشيعة، فيصبح هدفًا لهذا الفكر الشاذ.

وقد عمل الفكر الوهابي على طمس كل ما يذكر الناس ويربطهم برسول الله. وعلينا أن نتخيل أن الآثار الإسلامية في مكة والمدينة ظلّت قائمة طوال 1400 عام، جاءت دول وذهبت دول، ولم يتجرأ أحد على المساس بمنزل ومقام رسول الله وأضرحة الصحابة التي كانت لها قداسة ومهابة عظيمة لدى المسلمين والحكام، حتى التتار لم يقتربوا منها. حتى ابتلى الله الأمة بالوهابية وآل سعود، الذين طمسوا وأزالوا كل الآثار والمعالم الإسلامية، وأضرحة ومقامات أصحاب رسول الله، وشهداء بدر، ومقام أم المؤمنين السيدة خديجة عليها السلام، ومقام سيد الشهداء سيدنا حمزة. بل نبشوا قبورهم، وأخذوا جثثهم، ونقلوها إلى مقبرة، ووضعوا عليها التراب دون أي معلم، بحجة محاربة البدع وحماية العقيدة. ولا نعلم كيف سيهدّد مقام السيدة خديجة العقيدة، مستندين إلى حديث منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “رحم الله قبرًا لا يُعرف”؟ مع أن رسول الله حافظ على قبر سيدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام بجوار الكعبة، وجعل لهم مقامًا، وقد سن الصلاة داخل حجر إبراهيم وإسماعيل، وذكرهما الله في القرآن الكريم تعظيمًا وتقديسًا لحرمة قبورهم ومقامهم، وهو تقديس عام لقبور البشر.

أما عذر توسعة الحرمين الشريفين، فكان بالإمكان أن يوضع سور حول تلك القبور والمقامات، بل إن وجودها يضيف رمزية وروحانية كبيرة. وقد كانت الدولة الأموية والعباسية من أغنى الدول والحضارات، وكان بإمكان حكام وملوك بني أمية والعباسيين توسعة مكة والمدينة وبناء الكعبة بحجار من ذهب، لكنهم رفضوا المساس بآثار رسول الله وأصحابه. حتى جاء يهود الجمعة، فهدمُوا كل شيء، حتى لا يتبقى شيء يذكر الناس ويربطهم برسول الله وبالإسلام المحمدي.

حتى أنهم حاربوا كلمة “سيدنا محمد” صلى الله عليه وآله وسلم، ويتم نطق اسم رسول الله جافًا حافًا: “محمد”، بينما أضافوا للملك الجلالة والسيادة والسمو وصاحب العظمة، واستكثروا على رسول الله وآل بيته لقب “السيد” أو “سيدنا”، ويقولون: “سيدك الله”.

مع أنهم يدركون أن تعظيم رسول الله هو تعظيم لله ولدين الله، وقد رفع الله من شأن رسوله، وجعل من تعظيم ومحبة رسول الله إيمانًا، وبذل العطاء والجزاء الحسن لمن يصلي عليه. صلوات الله وسلامه على رسول الله وعلى آله بيته، وبدأ هو وملائكته بالصلاة عليه.

وإذا لم نحتفل نحن كمسلمين بمولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبماذا نحتفل ومن سوف يحتفل بمولده؟ وإذا لم تكن ذكرى مولد النبي—الرحمة والنور—أعظم مناسبة لدينا كمسلمين، فما هو أعظم من مولد رسول الله؟ وما هو أكبر حدث في تاريخ الأمة والبشرية؟ وما هو الحدث الذي غيّر مسار البشرية ويستحق الذكر والاحتفال به، إذا لم يكن يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ما هو الشيء الأكثر أهمية؟ عيد الثورة أم الوحدة، ام عيد الزواج والحب ؟ وهل تحتاج أمة، لكي تحتفل بمن أخرجها من الظلمات إلى النور، إلى حديث أو طلب من رسول الله يقول لها: “لو سمحتم احتفلوا بيوم مولدي”؟ اجعلوا من ذكرى مولدي محطة لتذكير الناس بي وبهذا اليوم والحدث العظيم، ومحطة لربط الأمة برسولها وحبيبها، وبخير من أنجبت البشرية. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.