الجمعة - 14 اغسطس 2026
منذ 4 ساعات
الجمعة - 14 اغسطس 2026

بقلم/ ضياء المحسن ||

 

 

 

لم يكن تصريح رئيس كتلة الإعمار والتنمية البرلمانية بهاء الأعرجي بشأن انسحاب القوى السنية والكردية خلال جلسة مناقشة القصف السعودي مجرد توصيف لما جرى داخل قاعة البرلمان، بل فتح جرحاً سياسياً أعمق يتعلق بطبيعة الإجماع الوطني ومدى صموده عندما تتقاطع الضغوط الإقليمية مع الحسابات الداخلية.

فكلما ارتفع منسوب التوتر الإقليمي، بدت الاصطفافات السياسية العراقية أكثر وضوحًا، وكأن الأزمات الخارجية تعيد إنتاج الانقسامات الداخلية، ومن هنا فإن انسحاب بعض القوى السنية والكردية من جلسة مناقشة القصف لا يمكن قراءته بمعزل عن شبكة معقدة من الحسابات السياسية، تبدأ من حساسية الموقف تجاه الرياض، وتمتد إلى طبيعة علاقات بعض القوى ومواقفها من الفصائل المسلحة، ولا تنتهي عند موازين النفوذ داخل البرلمان.

المشكلة ليست في اختلاف المواقف السياسية؛ فالاختلاف حق مشروع وجزء من العمل البرلماني، لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح الموقف من اعتداء خارجي خاضعًا لحسابات الاصطفاف الداخلي، بحيث لا تعود السيادة هي المعيار الوحيد، وإنما تدخل هوية الجهة المستهدفة وعلاقاتها الإقليمية في تحديد الموقف.

ويصبح المشهد أكثر حساسية عندما تتصدر القوى الشيعية مشهد الإدانة، فيما تختار قوى سنية وكردية الانسحاب من النقاش، وهنا تظهر ولو بصورة غير معلنة، مسحة طائفية في موقف يفترض أن يكون وطنيًا جامعًا، فالسؤال الذي يفترض أن يوحّد الجميع هو: هل تعرض العراق لاعتداء وانتهاك لسيادته؟ لا: من يقف خلف الاعتداء؟ وما موقعه في خارطة التحالفات الإقليمية؟

ولعل المثل الشعبي العراقي «الجرح ما يحس بيه غير صاحبه» يختصر جانبًا من هذه المعضلة؛ فهناك من يرى القصف اعتداءً على السيادة لا يحتمل المساومة، بينما قد يتعامل معه آخرون باعتباره ملفاً سياسياً تحكمه توازنات ومصالح وعلاقات إقليمية.

لكن المشكلة لا تتوقف عند حدود البرلمان، بل تنتقل مباشرة إلى رئيس الوزراء، وتضع أمامه معادلة شديدة التعقيد، فهو مطالب بالدفاع عن سيادة العراق وعدم السماح بتحويل أراضيه إلى ساحة مستباحة للصراعات الإقليمية، ومطالب أيضا بالحفاظ على علاقات العراق مع دول الجوار، وفي مقدمتها السعودية، وتجنب دفع الأزمة نحو مواجهة مفتوحة.

هنا يحتاج رئيس الوزراء إلى غطاء سياسي وطني يتيح له التحرك باسم الدولة، لا باسم مكوّن أو تحالف سياسي. ولذلك فإن انقسام المواقف داخل البرلمان لا يضعف صورة الإجماع الوطني فحسب، بل يضيّق هامش المناورة أمام الحكومة، ويجعل أي خطوة تتخذها عرضة للتأويل السياسي والطائفي.

وهنا تصبح مسؤولية رئيس الوزراء أكبر من مجرد إصدار موقف إدانة، فهو بحاجة إلى التوازن بين الحزم في حماية السيادة والهدوء في إدارة الأزمة، وبين الحفاظ على علاقات العراق الخارجية ومنع انزلاقه إلى صراع إقليمي، فضلًا عن جمع القوى السياسية حول قاعدة أساسية مفادها أن قرار الحرب والسلم والأمن الوطني يجب أن يبقى بيد الدولة.

ولا يعني هذا التوازن التردد أو المساومة على السيادة، بل يعني أن تكون الدولة قوية بما يكفي لتقول «لا» لأي اعتداء، وحكيمة بما يكفي لمنع تحول هذه الـ«لا» إلى أزمة إقليمية مفتوحة.

ومن هنا، فإن موقف الكتل المنسحبة يستحق أن يُقرأ بوصفه مؤشرًا على أزمة ثقة أعمق من مجرد خلاف داخل جلسة برلمانية. فالمشكلة ليست في أن تكون هناك آراء مختلفة، وإنما في أن يختلف العراقيون حول تعريف المصلحة الوطنية عندما تتعرض البلاد لاختبار سيادي.

وإذا كان تصريح الأعرجي قد فتح «الجرح»، فإن الأهم ألا نحاول إخفاءه، بل أن نعترف بوجوده ونسأل بصدق: لماذا ما زالت القوى السياسية العراقية، عند اشتداد الأزمات، تعود إلى قراءة الأحداث بعين الاصطفاف لا بعين الدولة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي؛ لأن الإجماع الوطني لا يُختبر عندما تكون الظروف هادئة، وإنما يظهر معدنُه الحقيقي عندما تكون البلاد أمام اختبار صعب.

فالسيادة لا ينبغي أن تكون شيعية أو سنية أو كردية؛ السيادة عراقية، والدولة التي لا تستطيع أن تجعل الجميع يلتقون حولها في لحظة الخطر، ستبقى معرضة لأن تتحول أزماتها الخارجية إلى جراح داخلية.