الخميس - 13 اغسطس 2026

قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿سورة المجادلة: 21﴾..!

منذ 5 ساعات
الخميس - 13 اغسطس 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴿سورة المجادلة: 21﴾.

قد يقف المؤمن أمام هذه الآية متسائلًا: إذا كان الله قد كتب الغَلَبة له ولِرُسُله، فلماذا نرى في كثير من الأزمنة أن أهل الباطل يمتلكون القوة، يقتلون، ويحتلون، ويعيثون في الأرض فسادًا، بينما يعيش أهل الحق تحت وطأة الظلم والعدوان؟

مِمّا لا شكَّ فيه أن هذا السؤال لا ينشأ من الاعتقاد بتخلَف الوعد الإلهي لدى المؤمنين، بل من رغبتهم في فهم معنى الغلبة التي وعد الله بها.

ومِمّا لا شك فيه أيضًا أن الآية الكريمة تتحدث عن سُنَّة ربّانية كتبها الله، أي عن قضاء ربّاني ثابتٍ لا يتخلف، أن تكون العاقبة لرسالاته، وألّا يستطيع الباطل أن يقضي على الحق أو يطفئ نوره. ولهذا جاءت الآية بصيغة الجزم: ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾، أي قضى وحكم حكمًا لا يتبدَّل، لأن الذي وعد هو ﴿الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يعجزه شيء، ولا يغلبه أحد.

غير أن السؤال الذي يراود الذهن: هل الوعد الرباني بالغَلَبة خاصٌ بالرسل والأنبياء؟
ظاهر الآية أن الوعد متوجه إلى رُسُلِ الله، لكن الرسالة لا تنتهي برحيل الرسول، بل تبقى حيَّة في أتباعه الصادقين. ولذلك فإن غلَبَة الرُسُل تمتد إلى كل من يحمل رسالتهم بإخلاص، ويسير على نهجهم، ويجاهد في سبيلها. غير أن هذا الامتداد ليس وعدًا مطلقًا لكل من انتسب إلى الإيمان، وإنما هو وعد لمن حقَّق شروط الغَلَبة في نفسه، لأن القرآن نفسه ربط النصر بالإيمان الحقيقي، فقال: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴿سورة غافر: 51﴾. وقال سبحانه: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿سورة آل عمران: 139﴾. فكلما التزم المؤمنون بمنهج الرُّسل، كانوا أقرب إلى وعد الله لهم بالغَلَبَة، وكلما ابتعدوا عنه، جرت عليهم السُّنَن نفسها التي تجري على سائر الأمم.

ثم هاهنا سؤال آخر: لماذا يتأخر النصر؟
وجوابه: أن القرآن لا ينكر أن الباطل قد يمتلك قوة ظاهرة، وأن الطغاة قد يكون لهم سلطان مُدّة من الزمن، لكن هذه القوة وهذا السلطان ليسا المقياس النهائي. فقد ينتصر الباطل في جولة، لكنه يعجز عن إطفاء نور الحق. وقد يُهزَم المؤمنون في معركة، لكن الرسالة التي يحملونها تبقى حَيَّة، تستعيد حضورها، وتنهض من جديد، والمشروع الإلهي يستمر في تقدمه رغم المُعَوِّقات والأثمان والنكبات.

وهذا ما تشهد له التجربة الإنسانية الطويلة في الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، فكم من طاغية ملأ الأرض ظلمًا وبطشًا، ثم صار مجرد ذكرى سيئة، بينما بقيت دعوات الأنبياء، وقيم العدل، ومبادئ الإيمان تنير حياة الأمم جيلاً بعد جيل.

وإنَّ الغَلَبَة التي وعد الله بها أوسع من أن تختزل في ميدان الحرب، فهي غَلَبة الحجة على الشبهة، -كما يقول السيد الطباطبائي في تفسيره الميزان- وغَلَبَة الحق على الباطل، وغَلَبَة الرسالة على محاولات طمسها، وغَلَبَة الإرادة المؤمنة التي لا تستسلم، لأنها تعلم أن خسارة النفس أهون من خسارة المبدأ. ولهذا فإن المؤمن الحقيقي لا يقيس الأمور بلحظة عابرة من التاريخ، بل ينظر إليها بمنظار السنن الإلهية الثابتة.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أنهم ينتظرون وعد الله بالغَلَبَة، ولكنهم يغفلون عن الشروط التي أقام الله عليها هذا الوعد. فالله لم يعد بالنصر أمةً فَرَّطت في وحدتها، أو تنازعت، أو تخلَّت عن العدل، أو استبدلت الإخلاص بالمصالح الشخصية، أو اكتفت بالأماني دون إعداد واستعداد. إن وعد الله حقٌ، لكن سُنَنه أيضًا حق. ومن هنا، فإن الآية لا تدعو إلى انتظار الغَلَبَة، بل إلى تهيئة أسبابها، بالسير في طريق الرسل، والثبات على الحق، والصبر، وبناء الإنسان المؤمن، المتعلم، العارف بزمانه، وإعداد القوة، وعدم اليأس مهما طال الطريق.

فالذي كتب الغَلَبَة هو نفسه الذي كتب للكون سننًا لا تحابي أحدًا. ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. فهو قويٌّ في إنفاذ وعده، وعزيزٌ لا يُغلَب، ولكن حكمته اقتضت أن يكون النصر ثمرةً للإيمان الصادق، والعمل الواعي، والصبر الطويل، لا أمنيةً تتحقق بمجرد الانتساب إلى الحق.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 13/8/2026 الساعة (04:40)