السبت - 29 اغسطس 2026
منذ 4 أسابيع
السبت - 29 اغسطس 2026

 إياد الإمارة ||

 

 

 

أنـا مُـعارض ..

لـستُ أقولها لأقف في الجهة الأخرى من الطريق ..
ولا جهة أخرى الآن
أقولها لأنني لم أعد أجد الطريق
“الطريق” ..
لم أعد أجده ولا جهة أخرى

لـقد كنتُ أعارض بالأمس رجلاً ظالماً مستبداً لـه أعوانه وزبانيته
لـه مَـن ينتزع أرواح الناس بغير وجه حق
لـه مَـن يحجر الأبرياء في الزنازين
لـه مَـن أوجع أبي المسكين قهراً
أما اليوم فأنا أعارض “زمناً” كاملا

كـنتُ أقاوم وجهاً واحداً للقسوة فإذا بالقسوة:
تتبدل وجوهها
وتتغير أسماءها
وتبقى هي هي ..
كأنها لعنة تعرف كيف تبدل ثيابها
لكنها لا تريد أن تغادر هذا الوطن

عـارضتُ الطاغية صدام ..

لا لأنني كنتُ أكره رجلاً فقط
عارضتهُ لأنني وجدتُ فيه الموت والجوع والجهل
وجدتُ فيه أوجاع الناس وخيباتهم
وجدتُ فيه القسوة والرعب ودموع الثكالى وأنات المتعبين
عارضتهُ وأنا أسمع جدتي “جواهر” تلعنهُ في الغروب وتدعو عليه بالهلاك كل صباح

كـنتُ أرى الوطن طائراً جريحاً
كلما حاول أن يفتح جناحيه قصَّـهما السيف
كلما حاول أن يغني ملأت المدافع فمه بالدخان
كلما أرادت عمتي أن تُـسجر تنورها لتخبز لبناتها اليتامى وجدت السلال خاوية

ثـم أقبل فجر حسبناه الفجر الأخير للظلام ..

فـتحنا له نوافذ قلوبنا قبل نوافذ بيوتنا

وقـلنا: الآن ستستريح “دجلة” من البكاء
وسيغسل “الفرات” دموعه
وستعود “النخلة” في البصرة إلى ظلها
ويعود الإنسان إلى إنسانيته

لـكن الفجر!

لـيس كل ما يسبق الشمس فجراً

كـم من ضوء كان وهماً
وكم من وعد كان سراباً يمشي على هيئة العراق

لـقد أحببتُ نظامنا الجديد هذا كما يحب العطشان أول قطرة ماء ..

انـتميتُ إليه كما ينتمي الطفل إلى صدر أمه ..

دافـعتُ عنه كما يدافع المؤمنون عن صلاتهم

ثـم رأيتُ الحلم يذبل بين الأيدي التي أقسمت أن تحفظه

رأيـتُ قلبي يعتذر إلى الناس
يعتذر للعراق
يعتذر للرافدين وشطهما
يعتذر لبقايا النخيل

ويعتذر إلى نفسه ..

أنـا الآن معارض ..
-يا لأسفي الشديد-

لأن السياسة حين تفقد الحكمة تصبح طاحونة لا تطحن إلا أعمار الناس

لأن الوطن حين يقوده الجهل يتقدم إلى الخلف ويحسب سقوطه صعوداً

أنـا معارض ..

لأن الفساد ليس سرقة الأموال فقط

الفساد أن يُـسرق العمر من عيون الشباب “أبنائي”

أن تُـسرق الطمأنينة من قلب أُمـي وزوجتي وأُختي الصغيرة “ليلى”

أن يُـسرق الأمل من يد الطفل قبل أن يتعلم كيف يكتب اسم “شط العرب”
قبل أن يتعلم كيف يرسم “نخلة”

أنـا معارض ..

لأن الأشجار لا تثمر إذا جلس الغربان على أغصانها

ولأن الأوطان لا تنهض إذا صار ميزانها يميل إلى الضجيج أكثر مما يميل إلى الحكمة وإلى المتسلقين أكثر مما يميل إلى أصحاب القلوب البيضاء

كـم هو موجع ..

أن ترى الذين حملوا العراق على أكتافهم يقفون في آخر الصفوف بينما يتقدم المشهد مَـن لم يحملوا للعراق إلا أسماءهم ومصالحهم وأنانياتهم الغارقة بالبدائية
ولا أسوء من أن يكون الإنسان “بدائياً”

وكـم هو مؤلم ..

أن يصبح الشريف غريباً في بلده وأن يشعر الصادق أنه يحتاج إلى شهادة ليبرهن على أنه لم يخن
وأن يسعى الرجل إلى قوته بالحلال فيركله الذي انتفخت بطنه من الحرام

أيـها العراق:

يـا أيها الواقف بين السماء والجراح
أيها البلد المثقل بالبدائيين الذين يطفون فوق الماء مثل الجيف النتنة

هـل ستسامح أبناءك؟

لأن بعضهم كثيراً ما أحبوا أنفسهم أكثر مما أحبوك

وكثيراً ما تشاجر بعضهم على خريطتك ونسوا أن ترابك كان يسعهم جميعاً

أمـا أنا

فلن أبدل هذا الحب ولو أتعبني

ولن أغادر هذا الرجاء ولو طال انتظاره

وسأبقى “أعـارض” كل ما يطفئ قنديلاً في قلب العراق
سأبقى أعارض كل يـد تمتد إلى كرامته وكل عقل يظن أن الوطن غنيمة لا رسالة

اللهم:

إنـنا لم نتعب من كثرة الحروب وحدها
لقد تعبنا من قلة الحكماء

فامنح العراق رجالاً:
إذا تكلموا صدقوا ..
وإذا حكموا عدلوا ..
وإذا اؤتمنوا حفظوا ..
وإذا أحبوا الناس في هذا البلد أحبوهم مجرداً من مصالحهم وأهوائهم ..

ومـا زلتُ أؤمن ..

أن الليل مهما طال لا يستطيع أن يمنع ولادة الصباح

وأننا مهما أثقلتنا الخيبات سنظل أكبر من خيباتنا
أبقى من الذين مروا علينا عابرين
لأننا لا يخلد فينا الحاكم المستبد
وإنما يخلد فينا “العاشقون”

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

 

✍️
١ آب ٢٠٢٦
تابعونا على قناة التلگرام الخاصة

 

https://t.me/kitabatsbeed

 

https://www.facebook.com/share/1BVjXiZP4L/?mibextid=wwXIfr