هل يمكن للقضاء والحكومة مكافحة الفساد من دون الإرادة الشعبية؟!
عدنان جواد ||

يعد الفساد المالي والإداري من الظواهر الخطيرة التي تواجه الدول وخاصة النامية منها، والفساد في العراق خطر كبير وصفته المرجعية بانه لا يقل خطراً عن الإرهاب بعد القضاء على داعش ، فهو يعطل عملية البناء والاعمار والتنمية الاقتصادية وهو عائق أساسي لاي تطور في البلد، ان الفساد كان موجوداً قبل 2003 ولكن على عائلة الحاكم وحواشيه وحماياتها وقيادات حزب البعث وبعض المنتفعين، كان اغلب الشعب يعاني الحاجة والعوز وخاصة في زمن الحصار.
ولكن بعد الاحتلال الأمريكي وسقوط النظام والسيطرة على دوائر ومؤسسات الدولة من قبل الامريكان وفتح أبوابها للفرهود، ظهرت طبقات جديدة متخصصة بسرقة المال العام ، فأصبحت ظاهرة للعيان وتمارس من قبل شخوص وأصحاب السلطة والتابعين لهم وبدون أي رقابة او عقاب، هذه الظاهرة شغلت اهتمام الكثير من الباحثين والمهتمين بهذا الشأن، ويمكن تقسيمها الى : (أنواع الفساد، وكيفية مكافحة الفساد ، ودور المجتمع في مكافحة الفساد)
أنواع الفساد:
1ـ الفساد الإداري: ويتمظهر بالانحراف الإداري او الوظيفي بمخالفة التشريع القانوني والضوابط والتعليمات ولوائح العمل، واستغلال الموقع الإداري في الحصول على منافع ومصالح خاصة وبطرق غير مشروعة مثل: التعيين في بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية لأشخاص تابعين للوزير الفلاني والمدير العلاني، كما يحدث في الخارجية والنفط ووزارات أخرى مهمة تجد فيها عوائل معينة من اقارب السياسي والوزير والمدير يتم تعينهم حسب قربهم من الشخص النافذ بعيداً عن الكفاءة والنزاهة والاختصاص.
2ـ الفساد المالي: وهي الانحرافات المالية ومخالفة الاحكام وضوابط وتعليمات الرقابة المالية وهيئة النزاهة، والمفتش العام التي كانت في الوزارات وتم الغاؤها، وتحدث نتيجة للمقاولات المشبوهة، وصرف المليارات لمشاريع وهمية او مشاريع تبقى مجرد حبر على ورق، يبدا بعمل قطعة مكتوب عليها المستشفى الفلاني او المصنع الفلاني، وتنتهي الحكومة وتترك، او ينجز قسم من المشاريع ويأخذ المقاول اغلب أموال المشروع ويتركه.
3ـ الفساد السياسي: وهو أخطر أنواع الفساد ويتمثل في الانحراف عن النهج والادبيات والقيم للتكتل او الحزب او المنظمة، ففي الدعاية الانتخابية يتم نشر البرنامج الانتخابي وفي اول فقرة منه مكافحة الفساد وطرد الفاسدين وخدمة الناس، ولكن وبعد الحصول على المقاعد في البرلمان يرشح كل منهم الفاسد الذي يجلب أكبر كمية من الأموال للحزب والكتلة، حتى صارت ظاهرة مستساغة ويتم شرعنتها من قبل الطبقة السياسية وفق منهج(طمطملي واطمطملك) وتوزيع الحصص والمغانم من الكعكة.
كيفية مكافحة الفساد:
والتساؤل هل يستطيع القضاء والحكومة مكافحة الفساد؟
وللجواب على هذا السؤال، ان اغلب القضاة هم من ضمن المجتمع، ويتم ترشيحهم لمناصبهم من قبل الأحزاب السياسية، وهم ايضاً يتعرضون للتهديد والمساومة، واذا سبحوا ضد التيار سوف يغرقون ، فاغلب الفاسدين ينتمون لأحزاب نافذة تمتلك أسلحة وعصابات قتل واغتيال، وقد قتل الكثير من القضاة في ظروف غامضة، وترك بعضهم منصبه وهرب او استقال، والا اين كان القضاء من هذه السرقات الترليونية طوال هذه الأعوام الماضية؟!!، فالقضاء من دون دعم الحكومة لا يستطيع فعل شيء ، فأجهزته التنفيذية بيد الحكومة من الشرطي الى اكبر ضابط في الوزارات الأمنية، والحكومة متكونة من وزراء ومدراء عاميين وهؤلاء الوزراء والمدراء تابعين لاحزاب وهذه الأحزاب لا تسمح بمحاسبتهم، وبذلك زاد الفساد وتغول واصبح شطارة ومهارة ، ومن يتصف بالنزاهة وعدم الاقتراب من المال الحرام يبعد ويستهدف ، ولكي تدعم الحكومة والقضاء في مكافحة الفساد وحتى يصبح منتجاً لابد من دعم المجتمع لهما، فالشعب والراي العام هو من يغير الأمور ويضغط على صاحب القرار .
كيفية مكافحة الفساد مجتمعياً:
لابد قبل مكافحة الفساد من قبل المجتمع ان يكون واعياً، والوعي هو الحضور الذهني والاحاطة بالشيء، فهو يستطيع من خلال وعيه والبيئة المحيطة به ومن خلال الرقابة الذاتية، والاتزان وعدم الانفعال والحرص على فهم الأمور، بان يميز بين الحق والباطل، والكاذب والصادق، ومن يقول الحقيقة ومن يردد الشعارات، وعدم الاعتماد على ردود الأفعال ، وهذا الوعي ينبغي ان ترافقه بصيرة ، وكما يقول الامام الصادق (عليه السلام): كان عمنا العباس نافذ البصيرة، والعامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا تزيده سرعة السير الا بعداً.
والامر الاخر هو تكبر وتقاعس النخب، فهي تكفر بالمجتمع والقيم والتقاليد والأعراف، وانحراف المثقف او الكاتب الذي يكتب عن الفساد ويذم الفاسدين، ويدعوا الناس لمقاطعة الفاسدين في الصبح، ثم يحضر في المساء مجالسهم ودعوات مؤسساتهم، لذلك فان مكافحة الفساد مجتمعيا أكثر انتاجاً وتأثيرا، ويمكنها تغيير الواقع الى الاحسن ولكن وفق ضوابط يسلكها المجتمع بجميع فئاته ونذكر منها:
1ـ عدم احترام الفاسد في الأماكن العامة ومقاطعته، فمثلاً هل تستطيع الناس عزل المسؤول الفاسد وخاصة في مجالس العزاء (الفواتح)، لكن مع الأسف يهرع الجميع للسلام عليه وهم يعلمون انه سارق أموالهم العامة!!.
2ـ عدم استقبال الشخصيات الفاسدة في المناطق التي يزورونها حتى يشعروا بالغضب الشعبي وعدم رضاهم عنه.
3ـ الضغط الإعلامي وفضح الفاسدين، وكيفية استغلال المنصب ودفع الرشا واخذ العمولات، وتصوير الأملاك والقصور والفلل ونشرها للناس، ونشر المعلومات لنفس الشخص الفاسد قبل كم سنة وكيف كان لا يملك شيئاً يذكر.
4ـ تثقيف المجتمع لمعرفة حقوقه والمطالبة بها، والطلب من القضاء ومن خلال وقفات شعبية بحرمان الأحزاب الفاسدة من إعادة ترشحها للانتخابات، ومطالبة القضاء بطرد الفاسد من الوظيفة العامة بعد إعادة الأموال المسروقة والتشهير به حتى لا يمارسها غيره من الذين لديهم الرغبة في الحصول على المال الحرام، لذلك فالقضاء والحكومة غير قادرة على القضاء على افة الفساد من دون الإرادة الشعبية الواعية، ولكن هل حاسب الشعب أي من الفاسدين سابقاً؟!
بل البعض منا أعاد انتخابهم ونحن نعلم انهم فاسدين بداعي القرابة والحزبية والمناطقية وهذه هي الخطر الحقيقي ، فينبغي محاربة الرشوة وعدم دفعها ، والشكوى على من يطلبها ، ومعرفة الجهات الإعلامية الرصينة لطرح المظلومية من خلالها لإيصالها الى الراي العام، والاتصال بالنواب المعروفين بالنزاهة ونظافة اليد وطرح المشاكل ، فلو كان لدينا وعي شعبي يطالب بالحقوق ما وصلنا لهذا الحال، انطفاء الكهرباء (6) ساعات في هذا الحر وتجهيز (2) ساعتين فقط، أي شعب يقبل بهذا، وماء ملوث وهواء ملوث ، وامراض سرطانية تنتشر بسرعة جنونية وخدمات صحية فقيرة، وبالمقابل سرقات بالمليارات للطبقة الحاكمة، فالاعتماد على من كان هو سبب الفساد بان يكافح الفساد ، هو كالذي يطفئ النار بالنار.



