الجمعة - 11 سبتمبر 2026
منذ 40 دقيقة
الجمعة - 11 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

لم تعد المشكلة في الإعلام العراقي تتعلق فقط بتعدد القنوات الفضائية وإختلاف سياساتها وتوجهاتها، فهذا أمر طبيعي في أي بيئة إعلامية وسياسية متعددة الإتجاهات، فلكل مؤسسة إعلامية رؤيتها، ولكل قناة جمهورها، ولكل جهة الحق في الدفاع عن أفكارها ومواقفها ضمن حدود القانون والمهنية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشاشة من مساحة للتحليل والحوار إلى ساحة للصراخ والمواجهة، ويتحول بعض من يُقدَّمون للمشاهد على أنهم «محللون سياسيون» إلى مقاتلين بالوكالة عن جهات سياسية وحزبية، لا يرون في الأحداث إلا ما يخدم الطرف الذي يدافعون عنه.

المحلل السياسي الحقيقي لا يعني أن يكون بلا رأي، ولا أن يكون محايداً إلى درجة فقدان شخصيته السياسية والفكرية، لكن الفرق كبير بين إمتلاك موقف سياسي وبين التخلي عن المهنية لصالح الدفاع الأعمى.

فالمحلل السياسي المهني يقرأ الحدث، ويحلل أسبابه، ويشير إلى الأخطاء مهما كان مرتكبها، ويعترف بالحقائق حتى لو كانت لا تخدم الجهة التي يقترب منها فكرياُ أو سياسياً، أما المحلل الذي يتحول إلى ناطق غير رسمي بإسم جهة سياسية، فإنه لا يأتي إلى الشاشة لتحليل الحدث، بل يأتي وهو يحمل الإجابة مسبقاً.

إذا أخطأت الجهة التي يدافع عنها وجد لها التبرير؛ وإذا نجحت الجهة المنافسة حاول التقليل من نجاحها! وإذا عجز عن الحجة رفع صوته، وإذا إنتهى المنطق بدأ الهجوم الشخصي.

وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام محللين سياسيين فعلاً، أم أمام مقاتلين إعلاميين بالوكالة؟ فالصراخ ليس تحليلاً، ومن المؤسف أن بعض البرامج السياسية أصبحت تعتمد على فكرة المواجهة والإستفزاز أكثر من إعتمادها على قيمة الحوار.

ضيف يمثل جهة سياسية أو فكرية، يقابله ضيف يمثل الجهة المناوئة، ثم تبدأ المعركة أمام الكاميرات:
♦️إتهامات.
♦️مقاطعات.
♦️صراخ.
♦️تشكيك.
♦️وتبادل للشتائم أحياناً بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفي النهاية يخرج المشاهد دون أن يعرف ماذا حدث في البلاد، أو ما هي حقيقة القضية التي كان البرنامج يناقشها!

لقد أصبح بعض مقدمي البرامج يبحثون عن الضيف الذي يثير الجدل، وبعض القنوات تبحث عن المواجهة التي ترفع نسبة المشاهدة، بينما أصبح الهدوء والمعرفة والتحليل العميق أقل حضوراً على الشاشة وكأن المحلل السياسي الحقيقي يجب أن يكون صاخباً حتى يسمعه الناس!

بينما الحقيقة أن رفع الصوت لا يعني قوة الحجة، وكثرة الكلام لا تعني عمق المعرفة، والهجوم على الآخرين لا يعني القدرة على تحليل السياسة.

أين المحلل المهني؟
في العراق يوجد الكثير من الصحفيين والباحثين والمحللين الذين يمتلكون خبرة حقيقية ورؤية مستقلة وقدرة على قراءة الأحداث بعيداً عن الصراخ والإنفعال، لكن هؤلاء غالباً ما نجدهم في نشرات الأخبار، أو في مداخلات قصيرة، أو في برامج محدودة؛ بينما تفتح بعض البرامج أبوابها بصورة متكررة أمام الشخصيات نفسها، لأن القناة تعرف مسبقاً ماذا سيقول الضيف، ومن سيدافع عنه، ومن سيهاجم، وأين ستبدأ المعركة.

وهنا تخسر الشاشة العراقية شيئاً مهماً جداً: التنوع الحقيقي في الرأي، فليس التنوع أن نستضيف شخصين متصارعين فقط، وليس التوازن أن نضع ممثلاً لهذا الحزب أمام ممثل للحزب الآخر، التنوع الحقيقي هو أن يكون هناك رأي حزبي، ورأي مستقل، ورأي أكاديمي، ورأي إعلامي مهني، حتى يسمع المواطن أكثر من زاوية ويستطيع أن يكون موقفه بنفسه.

أما أن يتحول البرنامج إلى مباراة بين فريقين، فإن المواطن لا يحصل على الحقيقة، بل يشاهد صراعاً سياسيًا بملابس إعلامية، الإعلام ليس وظيفة دفاع
لا بأس أن يكون للإنسان إنتماء سياسي أو فكري، فكل إنسان له قناعاته ومواقفه، لكن من يدخل إلى الشاشة بصفة محلل سياسي يجب أن يعرف أن هناك فرقاً بين الدفاع عن الرأي والدفاع عن الخطأ.

لا يمكن أن يكون الفساد جيدًا لأن الفاسد ينتمي إلى جهتي، ولا يمكن أن يكون القرار خاطئاً فقط لأن خصمي إتخذه ولا يمكن أن تتحول الوطنية إلى شعار يستخدم ضد الآخرين، ثم يسقط عندما يتعلق الأمر بالحزب أو الجماعة أو المصلحة الخاصة.

الإعلام الحقيقي يجب أن يكون مع الدولة قبل الجماعة، ومع المواطن قبل الحزب، ومع الحقيقة قبل الممول وهذه ليست دعوة إلى إلغاء الإعلام الحزبي، فالإعلام الحزبي موجود في كل مكان، ومن حق أي جهة أن تمتلك وسيلتها الإعلامية وأن تعبر عن رأيها بوضوح.

لكن المطلوب هو الصراحة مع المشاهد إذا كان الضيف يمثل جهة سياسية، فليُقدَّم بوصفه ممثلاً أو قريباً من تلك الجهة، أما أن يُقدَّم بوصفه محللاً مستقلاً وهو يدافع عن طرف معين في كل قضية، فهنا تصبح المشكلة مهنية وأخلاقية.

إلى أين يجب أن يتجه الإعلام العراقي؟
الإعلام العراقي اليوم بحاجة إلى مراجعة حقيقية، نحن لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ ولا إلى مزيد من البرامج التي تتحول إلى ساحات تصفية حسابات، ولا إلى محللين يحفظون مواقف الجهات التي يمثلونها أكثر مما يعرفون تفاصيل الملفات التي يناقشونها.

العراق يحتاج إلى إعلام يساعد المواطن على الفهم، لا على الإنقسام، يحتاج إلى برامج تبحث عن الحقيقة، لا عن المشاجرة، يحتاج إلى مقدم برامج يسأل الجميع، ولا يتحول إلى محامٍ عن ضيف أو خصم لآخر، ويحتاج قبل كل شيء إلى إعادة الإعتبار للمحلل المهني المستقل، الذي قد تختلف معه، لكنك تحترم حقه في الرأي وقدرته على تقديم الحجة.

إن قوة الإعلام لا تقاس بعدد الصراخ في الإستوديو، بل بكمية الحقيقة التي تصل إلى المواطن ولا تقاس بنجاح الحلقة في صناعة الجدل، بل بنجاحها في صناعة الوعي.

ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا: هل نريد محللين سياسيين فعلاً؟ أم نريد مقاتلين بالوكالة؟ هل نريد إعلاماً يشرح لنا ما يحدث؟ أم إعلاماً يخبرنا فقط بمن يجب أن نكره ومن يجب أن نصفق له؟ وهل أصبحت بعض الشاشات العراقية تبحث عن الحقيقة، أم تبحث عن الضيف الذي يستطيع أن يصرخ أكثر؟ إن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المتاريس الإعلامية، بل يحتاج إلى إعلام وطني مهني، يحترم عقل المواطن، ويضع الحقيقة فوق الإنتماءات، ويؤمن بأن الدولة أكبر من الحزب، وأن الوطن أكبر من الجميع.

فالمحلل السياسي الحقيقي لا يدافع عن الخطأ حتى لو كان الخطأ صادراً ممن يحب، أما من يدافع عن كل شيء، ويبرر كل شيء، ويهاجم كل من يخالفه فربما لا يكون محللاً سياسياً، بل مقاتلاً بالوكالة أمام الكاميرا.

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع