الأحد - 26 يوليو 2026

يوسف الأزيرجاوي .. فارسٌ صغير بعمره كبير بموقفه..!

منذ 3 أيام
الأحد - 26 يوليو 2026

زمزم العمران ||

 

 

 

كم من انسان عاش عشرات السنين ولم يترك وراءه إلا اسمه في سجل المواليد و الوفيات، وكم من شاب لم يطل به العمر، لكنه كتب بدمه تاريخًا لا تقدر السنوات على محيه، ومن هؤلاء كان الشهيد يوسف سالم جلود وني الأزيرجاوي، احد اولئك الذين اختاروا أن تكون حياتهم رسالة و أن بكون ختامها شهادة

في الثالث و العشرين من أيلول عام 1984،أبصر يوسف النور في جانب الكرخ من بغداد، ونشأ في حي أبو دشير، بين أزقة عرفت قسوة الأيام، لكنها لم تفقد أصالتها ولا شهامة أهلها، هناك تشكلت شخصيته، وترعرع على قيم الإيمان و الكرامة و الوفاء، فكان هادئًا في طباعه، رزينًا في حديثه، مستقيمًا في أخلاقه، محبوبًا بين أهله و أصدقائه، يحمل قلبًا كبيرًا و روحًا لا تعرف المساومة على المبادئ .

أنهى دراسته الاعدادية، وكان يستطيع ان يسلك طريقًا هادئًا كغيره من الشباب، لكن العراق في تلك السنوات لم يكن يسمح للشرفاء أن يقفوا على الحياد، فقد كانت البلاد تعيش واحدة من أصعب مراحلها، تتنازعها الفوضى و الإرهاب و الاحتلال، وأصبحت الكرامة الوطنية تُستهدف في كل يوم، عندما أدرك يوسف أن الرجال لا يُختبرون في اوقات الراحة، بل في ساعات المحنة، وأن الأوطان لا يحميها إلا أصحاب المواقف ،عام 2004،اتخذ قراره الذي غير مسار حياته كلها، انضم إلى صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، وكان من أوائل المنتسبين إليها، مؤمنًا بأن الدفاع عن الارض و الناس ليس خيارًا مؤجلًا، بل واجبًا لا يحتمل التأخير، لم يكن يبحث عن شهرة ولا منصب، و إنما كان يرى أن التضحية هي الطريق الأقرب إلى رضا الله و صون الوطن

وفي الميدان، لم يتأخر حتى اصبح من المقاتلين المعروفين بشجاعتهم و انضباطهم، حمل سلاح البي كي سي، وتولى مسؤولية مجموعة من المجاهدين، فكان قائدًا بالفعل قبل أن يكون قائدًا بالصفة، عرفه رفاقه ثابتًا عند اشتداد القتال، حاضر الذهن في أصعب اللحظات، يزرع الطمأنينة في نفوس من معه، ويؤمن بأن النصر لا يولد إلا من رحم الصبر و الثبات، وكان حي أبو دشير بالنسبة إليه أكثر من مكان للسكن، كان الأرض التي تربى عليها، والناس الذين أحبهم، والذكريات التي عاشها،

لذلك، عندما تعرضت المنطقة لهجمات الجماعات الإرهابية، كان في مقدمة المدافعين عنها، يقاتل دفاعًا عن أهله و جيرانه، ويشارك في العمليات التي أستهدفت تطهير المنطقة من العناصر المسلحة التي بثت الرعب و الخراب، لم يعرف التراجع، ولم يساوم على أمن مدينته، لأنه كان يرى أن الدفاع عن الناس شرف لا يضاهيه شرف ،وفي التاسع عشر من تشرين الأول عام 2006،

وأثناء إحدى المواجهات في منطقة الدورة في حي أبو دشير، ارتقى يوسف شهيدًا وهو يؤدي واجبه، كان في الثانية و العشرين من عمره فقط، لكن تلك السنوات القليلة كانت كافية ليترك سيرةً يعتز بها كل من عرفه، لم يتزوج، ولم يترك أبناء يحملون اسمه، لكنه ترك إرثًا من التضحية و الوفاء، وبصمةً لا تمحوها الأيام من ذاكرة رفاقه و محبيه

إن الرجال يُقاسون بما قدموه، لا بما عاشوه، ويوسف الأزيرجاوي كان واحدًا ممن آمنوا بأن الكرامة تستحق أن يُبذل من أجلها أغلى ما يملك الإنسان، شابًا رحل مبكرًا، بل بأعتباره رجلًا أوفى لوطنه حتى آخر نبضة من قلبه ،

رحم الله الشهيد يوسف سالم جلود الأزيرجاوي، وجعل ذكراه حيّة في ضمائر الأوفياء، مصداقًا لقوله تعالى :(ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون) .