الشرق الأوسط: حين أنتقلت الحرب إلى شرايين الاقتصاد..!
طه حسن الأركوازي ||

في الحروب الكبرى ، لا يبقى أختيار الأهداف ثابتاً ، بل يتغير تبعاً لتغير موازين القوة والضغط السياسي والعسكري ، وعندما تتعذر المُواجهة المُباشرة أو تصبح كُلفتها مُرتفعة ، تتجه الأطراف المُتصارعة إلى أستهداف عناصر القوة الاقتصادية واللوجستية التي تمنح الخصم القُدرة على الاستمرار .
ومن هذه الزاوية ، تبدو التطورات الأخيرة في الخليج مُؤشراً على أنتقال الصراع “الأمريكي-الإيراني” ، ومعه البعد الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتجاوز الاشتباك العسكري التقليدي نحو معركة أستنزاف طويلة الأمد .
إن نتقال إيران إلى إستهداف مُنشآت أقتصادية وبنى تحتية حيوية في بعض دول الخليج ، فإن ذلك يعكس تحولاً في فلسفة إدارة الصراع أكثر مما يعكس مُجرد توسيع دائرة الأهداف . فالغاية ، في هذا التصور لا تقتصر على إحداث أضرار مادية ، وإنما توجيه رسالة أستراتيجية مفادها أن الضغوط العسكرية المفروضة على إيران لن تبقى محصورة داخل حدودها ، وأن أي تصعيد يستهدفها ستكون له أنعكاسات على البيئة الإقليمية بأسرها .
هذا التحول ، إن أستمر ينسجم مع نمط معروف في إدارة الأزمات المُمتدة ، حيث يصبح الاقتصاد والطاقة وسلاسل الإمداد أدوات ضغط لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات المسيّرة ، فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على من يمتلك القدرة النارية الأكبر ، بل على من يستطيع رفع كُلفة الصراع على خصومه وإجبارهم على إعادة حساباتهم السياسية والعسكرية .
في المقابل ، تواجه إيران واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات في ظل أستمرار الضغوط الأمريكية ، وتنامي التنسيق الأمني والعسكري مع إسرائيل ، إلى جانب العقوبات الاقتصادية ومحاولات تقليص هامش حركتها الإقليمية .
فمن منظور أستراتيجي ، قد ترى طهران أن الاكتفاء بردود دفاعية لن يُغير ميزان الضغوط المفروض عليها ، وأن توسيع نطاق التأثير الإقليمي يُمثل وسيلة لفرض مُعادلات ردع جديدة ، حتى وإن لم يؤد إلى حسم عسكري مُباشر .
غير أن هذا المسار يحمل في طياته مخاطر كبيرة على المنطقة بأسرها ، فدول الخليج تُمثل القلب الاقتصادي للطاقة العالمية ، وأي أضطراب يُطال مُنشآتها أو ممراتها البحرية لا ينعكس على الأطراف المُتحاربة وحدها ، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الدولي ، وأسواق الطاقة ، وحركة التجارة العالمية .
ولهذا ، فإن توسيع نطاق الاستهدافات سواء كانت عسكرية أو أقتصادية ، يعني عملياً أنتقال الأزمة من إطارها الثنائي إلى أزمة إقليمية ذات أبعاد دولية .
كما أن القراءة الجيوسياسية للمشهد تشير إلى أن مضيق هرمز ما يزال يمثل الورقة الأكثر حساسية في هذا الصراع .
فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى تحقق أثراً أستراتيجياً ، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر الأمنية إلى الحد الذي يدفع شركات الشحن والتأمين إلى تقليص حركة الملاحة أو إعادة حساباتها التجارية .
وفي مثل هذه الحالات ، تتحقق الضغوط الاقتصادية والنفسية حتى دون إعلان رسمي عن إغلاق الممر الملاحي ، وهو ما يمنح طهران مساحة للمُناورة مع تجنب الذهاب إلى مواجهة شاملة قد تستجلب تدخلاً دولياً أوسع .
وفي الوقت ذاته ، لا تبدو الولايات المتحدة ولا إسرائيل معنيتين ، حتى الآن بالدخول في حرب برية واسعة مع إيران ، بقدر ما تسعيان إلى أستنزاف قُدراتها العسكرية والاقتصادية وتقليص نفوذها الإقليمي عبر الضربات الدقيقة ، والعقوبات ، والضغوط السياسية ، وبناء تحالفات أمنية أكثر تماسكاً في المنطقة .
أما إيران ، فتسعى إلى إثبات أن سياسة الاحتواء لن تمر من دون كُلفة ، وأن أمتلاكها أوراق ضغط إقليمية يمنحها القُدرة على إطالة أمد الصراع ورفع ثمن أي مواجهة تستهدفها .
ومن هنا ، فإن ما يجري اليوم لا يبدو حرباً تقليدية تسير نحو نصر واضح لطرف وهزيمة كاملة لطرف آخر ، بل أقرب إلى حرب أستنزاف مُتعددة المُستويات ، تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الحرب الاقتصادية ، والهجمات السيبرانية ، والضغوط الدبلوماسية ، والصراع على الممرات البحرية ، وحسابات الردع المُتبادل .
وكلما طال أمد هذه المواجهة ، أزدادت أحتمالات وقوع أخطاء في الحسابات قد تدفع المنطقة إلى تصعيد لا يريده أي من اللاعبين الرئيسيين ، لكنه قد يفرض نفسه بفعل تتابع الأحداث .
ختاماً .. اليوم تبدو منطقة الخليج أمام مرحلة تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الأمن والاقتصاد ، وبين الردع العسكري والضغط السياسي ، فالصراع الدائر لم يعد يقتصر على تبادل الضربات ، بل أصبح معركة إرادات طويلة النفس ، يسعى فيها كُل طرف إلى إنهاك خصمه دون الانزلاق إلى حرب شاملة .
لذلك ، قد لا يكون السؤال الأهم هو من يربح هذه المواجهة .؟
بل من يستطيع الصمود فيها مدة أطول بأقل قدر من الخسائر .؟
وحتى تتبلور الإجابة ، ستبقى المنطقة رهينة توازن هش بين التصعيد والاحتواء ، حيث يُمكن لأي تطور ميداني أو قرار سياسي غير محسوب أن ينقل المواجهة من حرب باردة عالية السخونة إلى صدام إقليمي مفتوح تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط …!




