السبت - 29 اغسطس 2026

أبعاد تشييع جثمان الإمام الخامنئي في العراق (الحلقة الأولى)..!

منذ شهر واحد
السبت - 29 اغسطس 2026

د. محمد صادق الهاشمي

 

 

في يوم 8/7/ 2026 م ، الموافق 22 من شهر محرّم الحرام، شيّع العراقيون جثمان الإمام الخامنئي، في تشييع مهيب في مدينتي النجف الأشرف، وكربلاء المقدّسة، وبلغ عدد المشاركين فيه عشرة ملايين نسمة من أصل (45) مليون نسمة، أي ما يعادل 40% من الشيعة البالغين والقادرين على المشاركة.

وقد شارك في التشييع ملايين من أبناء الشعب العراقي من مختلف الطبقات الاجتماعية، ومن أغلب المحافظات، فضلًا عن الحوزات العلمية والنخب والقيادات السياسية والحكومية. واستمرّ التشييع قرابة يومين .
وقد تناقلت وسائل الإعلام المحلّية والعالمية هذا الحدث بأبعادٍ ورؤى مختلفة، وهو حدث لا يمكن اعتباره أمراً عابراً، بل يحمل

أبعاداً ونتائج ودلالات كثيرة، من أهمها:
أوّلاً: تشييع الإمام الخامنئي (قُدّس سرّه) في العراق… وانبعاث الروح الثورية

منذ احتلاله العراق، سعى العدوّ الأمريكي، عبر عشرات بل مئات المنظّمات المرتبطة بالولايات المتحدة والمنظومة الصهيونية، فضلاً عن نشاطه الإعلامي، إلى تكريس فصل الشيعة في العراق عن المنهج الثوريّ وثورة الإمام الخميني، بهدف تحويل الأمّة في العراق إلى كتلة بشرية لا تؤمن بالمقاومة، والعمل على إفراغها من عقيدتها، لترفع راية الاستسلام للعدوّ تحت ضغط الحروب والمؤامرات والضخّ الإعلاميّ.

وقد تجسّد ذلك من خلال الهجوم الإعلامي الغربي على إيران الثورة، واستهداف المنهج الثوريّ وأهدافه ومسيرته. إلا أنّ التشييع المليونيّ الذي شهده العراق، والتدفق الجماهيريّ العراقيّ في ظلّ ظروف الحرّ القاسية من مختلف المحافظات، ومبيت المشاركين في الشوارع، وانتظارهم ساعاتٍ وأيّاماً تحت لهيب الشمس، والانشداد الكبير إلى الجثمان الذي حملته أكفُّ العراقيين، وما رافق ذلك من شعارات وأعلام وصور وهتافات وأهازيج عشائريّة، كُلُّ ذلك يدلّ بوضوح على أنّ الشعب العراقيّ قد شخَّص عدوَّه، وأدرك أنّ أمريكا تريد استباحة دماء الشيعة، وتدمير قيادتهم، وسفك دمائهم، وتكرار جرائم الإبادة التي ارتكبتها في غَزَّةَ بحقِّهم.

ومن هنا برزت الروح الثورية الصادقة الحسينية في موقف شيعة العراق وتوجههم، وهو ما أشار إليه الإمام السيّد مجتبى الخامنئي بقوله: «… كما يجدر، في هذه المناسبة، أنْ أتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى عشرات الملايين من الناس الذين سجّلوا حضوراً مذهلاً، كاسراً للأعداء، وتاريخيّاً، في مدن إيران والعراق وقراهما، ولا سيما في طهران وقم والنجف وكربلاء ومشهد».

وأضاف قائلاً: «… إنّ شعبنا يُنادي بالثأر لدماء الحسين (عليه السّلام)؛ فلقد قدّم هذا الشعب العظيم، على مدى السنين، أبناءه فداءً في سبيل الحسين (عليه السّلام)، وفي الحرب ضدّ أعداء الحسين والغيرة الحسينية، وهو يطالب اليوم أيضاً بالثأر لدمائه ولدماء (الحسينيّي هذا الزّمان)».

وبذلك تتجسد حقيقة أنّ الشعب العراقي شعب ثوري بالأصل عبر التاريخ، وتشهد له مواقفه وجهاده وثوراته. فقد استعاد هذا الشعب روحاً ثورية جديدة وعميقة، نابعة من كربلاء، ومتجددة من خلال نهضة الإمام الخميني ومسيرة الإمام الخامنئي، وعياً ونهضةً وعطاءً وثباتاً، وتطلعاً نحو غدٍ مشرق لا يكون فيه الشيعة همَلاً، ولا تتكرر فيه إهانة كرامتهم وسحق حقوقهم.

كما تتضح حقيقة أخرى، وهي أنّ الجماهير التي شاركت في التشييع إنّما انطلقت من مخزونها الثوريّ الكبير، ومن عمق فهمها للتحديات التي واجهها ويواجهها الشيعة على امتداد التاريخ. فقد أعلنوا بخروجهم رفض الظلم والاستعباد والقهر والإذلال من كُلّ طاغية سَفَك دماءهم .

ولعلّ أدقّ تحليل، وأكثره واقعية، هو أنّ الشعب العراقيّ وجد في تشييع جثمان الإمام الخامنئي أسمى صور التعبير عن مكنوناته الثورية في الدفاع عن مصالح الشيعة، ودفع الأخطار عنهم، وإيقاف نزيف الدماء، وإطفاء الغضب التاريخي المتراكم من عصور الجور والظلم التي عانى منها الشعب العراقي، معبّراً في الوقت نفسه عن استقلاله، وحفظ أمنه، وتحديد مصيره.
نعم، لقد أعلن الشعب في هذا التشييع عن ثوريته، وأفرغ ما اختزن في نفسه من ألم ومعاناة بسبب ظلم الأمريكيين والغرب والعرب، ومحاولات الأعداء سلب سيادته والتحكّم بمصيره. ومن هنا اخترنا عنوان : «انبعاث الرّوح الثورية لشيعة العراق»؛ لأنّ التكوين النفسيّ للشخصية العراقية يستبطن روح الثورة والشجاعة والكرم والأصالة، وهي خصال تتجلّى بأبهى صورها عند حضور القائد، وفي أوقات الشدائد.

ومن يتأمّل تاريخ الشعب العراقيّ يجده سلسلة متصلة من البطولات والملاحم والانتفاضات والمواقف العظيمة في مواجهة الطغيان والاستكبار، فهو شعب حسيني بكُلّ ما تحمله الكلمة من معنى. وقد حافظ على روحه الثورية رغم ما تعرّض له من صنوف الاضطهاد والتذويب والقهر ومحاولات سلب الإرادة، إلّا أنّه ظلّ يثبت حيويته وقوّته وقدرته على النهوض في أحلك الظروف، ويشهد على ذلك موقفه في ثورة العشرين، وما قبلها وما بعدها، وموقفه في مواجهة العدوّ الداعشيّ الصهيونيّ.
إنّها تلك الروح الثورية الكامنة في أعماق هذا الشعب، التي تفجرّت يوم تشييع الإمام الخامنئي (قُدس سرّه) في العراق، فكان ذلك التشييع المليوني انبعاثاً للروح الثورية في المجتمع الشيعيّ العراقيّ.

ثانياً: وحدة الشعبين وانسجام الأهداف:
حينما يخرج العراقيون بالملايين لتشييع الإمام الخامنئي، في ملحمة من الولاء والمحبّة تجسدها الدموع واللطم، وسائر المواقف التي عبّر عنها الرجال والنساء، والعلماء، والحوزات، ومختلف شرائح الشعب العراقيّ، يصحّ القول: إنّ الإمام الخامنئي، حين شُيّع جثمانه الطاهر، لم يُشيَّع بوصفه رجلاً من دولة أجنبيّة عن العراق ، أو قائداً لنظام سياسي آخر، ولم يكن الولاء له وإظهار الحزن عليه من مختصّات الشعب الإيراني وحده، بل شُيّع بروح عراقية انطلقت من أعماق وجدان الشيعة في العالم، وفي العراق على نحو خاصّ، بروح الانتماء والولاء، باعتبارهم ينتمون إليه كما ينتمي إليه الإيرانيون. وهذه حقيقة تجسَّدت في الموقف، وأظهرت

وحدة المسيرة والسيرة والأهداف و المنطلقات.
لقد حاول الطائفيون والقوميون، وحزب البعث، والولايات المتحدة، طوال عقود، بل قرون، تفكيك العلاقة بين الشيعة عموماً، وبين العراق وإيران على وجه الخصوص، إلا أنّ يوم التشييع العظيم شهد تلاحم القلوب، ووحدة الدموع، وامتزاج المشاعر والمصائر، ورسمت الملايين المشيعة جغرافية واحدة لأمّة التشيع، يعجز العدوّ عن فهمها أو قبولها أو تفكيكها. كما أعلنت هذه الملايين انتماءها إلى أهدافٍ واحدةٍ، ومسيرةٍ واحدةٍ، وقائدٍ واحدٍ، وهي المقوّمات التي تقوم عليها وحدة الشعبين.
ولم يقتصر الحضور في التشييع على حزبٍ أو جهة بعينها، لكي يقال: إنّ هؤلاء وحدهم يمثّلون الارتباط التاريخي أو الأيديولوجي مع إيران، بل خرج الشعب بأسره؛ بحوزاته، ونخبه، وقبائله، ورجاله، ونسائه، وشبابه، بل وحتى أطفاله. وامتدّت المواكب، وصدحت الحناجر، وارتفعت الرايات والبيارق، في لوحة جسّدت أوسع مساحة للتشيع، ووحدة الشعوب في مواجهة الاستكبار، ومحاولات تمزيق الوحدة الإسلامية.

إنّ هذه الوحدة التي نتحدّث عنها، والتي جسّدتها تلك الملايين، قد تجمّعت تحت راية الإمام الخامنئي (قُدّس سرّه)، بما يمثّله من أهداف ومسيرة، وما عُرف به من الدفاع عن الشيعة أينما كانوا، من دون فواصل أو تمييز.

وهنا أعلن المشروع الأمريكيّ هزيمته، وهو يسمع هتافات الشيعة في العراق: «الموت لأمريكا»، ويرى إعلان الجماهير العراقية استعدادها للأخذ بثأر دماء الشهداء، أبطال الخطّ والمنهج والمسيرة .

التشيع الذي يجاهد من أجل عزّة التشيع ونهضته، وتوفير الأمن لشعوبه، وإعلاء كلمة الحقّ ليظهره على الدين كلّه. نعم، هكذا توحّدت الأمّة الشيعية على هذه الأسس الإسلامية الكريمة والعالية.

وهل يحتاج إثبات وحدة الشعبين، التي تجلّت في تشييع جثمان الإمام الخامنئي، إلى دليل أقوى من خروج ملايين شيعة العراق بروح عاطفية، ومحبّة غامرة، وحزن عميق، وبكاء وتفجع، وأكفّ تحمل الجثمان، وعشائر، وشباب، ونساء، ورجال يقفون لساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، بكُلّ محبّة وإخلاص، في الشوارع، يرددون الهتافات والأهازيج؟ بل لعلّ بعض مظاهر التفجّع التي شهدها التشييع لم يمارسها حتى الشيعيّ الإيرانيّ، وهي تفاصيل تعكس أنّ ما يؤمن به الشيعيّ الإيراني هو ذاته ما يؤمن ويعتقد به الشيعيّ العراقيّ، وأنّ نقطة الالتقاء بينهما هي دم الإمام الشهيد الخامنئي.

فكما يشعر الإيراني بأنّ الإمام قد استشهد دفاعاً عن الإسلام وعن الشيعة، فإنّ الشعور نفسه يحمله الشيعيّ العراقيّ، وكما يؤمن الشيعيّ الإيرانيّ بأنّ أمريكا هي عدوّه الأوّل، فإنّ الشيعيّ العراقيّ يحمل الاعتقاد ذاته. وبهذا يكون دم الإمام الخامنئي قد أسهم في نهوض الأمّة الشيعية، وهو ما أشار إليه الإمام الخامنئي نفسه بقوله: « إنّ أيَّ حادث يحصل سوف يؤدي إلى نهوض الأمّة ووحدتها»، فقد توحّدت الأمّة في أهدافها، وفي موقفها من مواجهة الولايات المتحدة، التي تعرت حقيقتها أمام الشعوب إلى الأبد، وتجسد واقعها بأنها دولة مجرمة تستهدف الشيعة، والمسلمين عمومًا، المكافحين من أجل العزة والاستقلال والشرف والكرامة.

وليس جديداً أنْ يوحِّد دمُ الشهداء الشعبين؛ فقد شهدت المرحلة السابقة، وفي واحدةٍ من أشدِّ الظروف قسوة في التاريخ السياسيّ العراقيّ، وبعد مؤامرة (التشارنة) في العراق، تشييع الشهيدين البطلين (سليماني وأبي مهدي) في العاصمة بغداد، وكربلاء والنجف الأشرف، حيث استقبلت الحوزات والنخب الجثامين الطاهرة، وبكى عليهم الملايين. نعم، لقد وحّد دم الشهداء الأهداف، كما يوحدها دم الإمام الحسين (عليه السّلام)، وهو ما أشار إليه الإمام السيد مجتبى الخامنئي في بيانه.