الجمعة - 03 يوليو 2026

القرآن.. من صوامع العبادة إلى ميادين الحياة..!

منذ 58 دقيقة
الجمعة - 03 يوليو 2026

د. عامر الطائي ||

 

 

 

لقد ابتُلي المسلمون عبر تاريخهم الطويل بمرض “الانفصام” بين النص والواقع، فحُبس القرآن في زوايا التبرّك، وصوامع القراءات، وبطون الكتب القديمة، وصار يُقرأ على الأموات دون أن يُستفتى في شؤون الأحياء! والقرآن ما نزل ليكون حجاباً يُعلّق على الصدور، ولا طلاسم تُتلى في المآتم، بل نزل كتاب حياة، ودستور ثورة، ومنهج تغيير.

حين تنظر اليوم في كتاب السيد علي الخامنئي “مشروع الفكر الإسلامي في القرآن” ــ وهو ومضات فكرية صاغها في أتون المواجهة قبل عقود ــ تجد أنه يلمس ذات الوجع الذي بحّت أصواتنا ونحن ننادي بعلاجه: كيف نعيد للقرآن حركيته؟

إن القيمة الحقيقية لهذا الطرح لا تكمن في تنميق العبارات أو استعراض العضلات اللغوية، بل في نزع القشور والوصول إلى اللباب. إنه يطرح “التوحيد” لا كمسألة كلامية جافة تُناقش في أروقة المدارس الدينية حول الذات والصفات، بل يطرحه كموقف اجتماعي وسياسي صارم؛ التوحيد يعني كسر الأصنام البشرية، ورفض الطواغيت، وتحرير الإنسان من عبودية أخيه الإنسان. فمن قال “لا إله إلا الله” وهو يركع للظلم والظالمين، لم يفقه من التوحيد حرفاً، وإن صام وصلّى وزعم أنه من المسلمين.

كذلك يضعنا هذا المشروع أمام “الإيمان” الحركي، الإيمان الذي لا يقعد بصاحبه في محرابه مستسلماً لواقع الفساد، بل الإيمان الذي يدفعه إلى العمل والتغيير. فالإيمان والعمل في القرآن توأمان لا يفترقان، والقول بلا عمل هو ضرب من الخداع والتمنّي. إنها قراءة تعيد للنبوات دورها الحقيقي؛ فالأنبياء ما جاؤوا ليعظوا الناس فحسب، بل جاؤوا ليقودوا الجماهير والمستضعفين نحو خط العدالة والقسط، وليواجهوا ترف المترفين وعسف المستكبرين.

إن ما نحتاجه اليوم، وما حاول هذا المشروع إبرازه، هو “الوعي القرآني الحركي”؛ أن نقرأ الآية ونبني عليها موقفاً في واقعنا المعاصر. فالقرآن لا يموت بموت شخوصه وأسباب نزوله، بل هو يواجه أبا جهل في كل عصر، ويقاوم فرعون في كل زمان.
رحم الله من فقه القرآن وعمل به، وجعله سلاحاً في وجه الطغيان، ومنطلقاً لبناء أمة عزيزة لا تحني جبينها إلا لبارئها.