أمةٌ يباغتها الرعد..!
رياض الفرطوسي ||

بينما تقف في قلب العاصمة الهولندية أمستردام، حيث تسابق مراكز الأبحاث والدراسات هناك الزمن لقراءة تحولات الطقس والسياسة والمجتمع لقرنٍ قادم، تلتفت بقلبك وعقلك نحو جغرافيتك العربية، لتجد مفارقة موجعة تدمي القلوب؛ فنحن أمة تملك رادارات متطورة لرصد الأمطار، تخبرنا متى يأتي الغيث ومتى يشتد البرد، لكنها تقف عمياء تماماً أمام رعود السياسة، وبروق الكوارث الاجتماعية، وثورات الشعوب المباغتة. هذه الفجوة ليست مجرد قصور إداري، بل هي انعكاس لغياب فلسفة “الاستشراف”، فصانع القرار لدينا مستغرق في حسابات اللحظة الراهنة، غارق في جمع العقارات والأموال، يرى في الكرسي مغنماً شخصياً لا تكليفاً تاريخياً. وحين يغيب القائد المستشرف، يتحول الوطن إلى ساحة مفتوحة لتدبير الصدف، وتصبح الشعوب مجرد وقود لتحولات يخطط لها الآخرون خلف الحدود .
هذا الغياب الممنهج للتخطيط ترك فراغاً مرعباً في العقل الجمعي، ولم يكن هذا الفراغ ليبقى شاغراً؛ فحين توارى المفكرون، فُتحت شاشاتنا على مصراعيها للدجالين والمشعوذين وقارئي الفنجان والورق، لتتحول الخرافة إلى تجارة تدر الملايين . إن هذا الابتذال ليس عفوياً، بل هو استراتيجية تهدف إلى تخدير الوعي العام وتسطيحه؛ والشيء بالشيء يُذكر، فقد نبهنا المفكر الفذ مالك بن نبي في تشريحه لأزمات العالم الإسلامي إلى أن العقول حين تفقد القدرة على التفكيك والنقد وقراءة ما وراء الأخبار، تصبح بيئة خصبة للأفكار الدخيلة التي تزرعها أجهزة لا تريد لهذه الأمة أن تنهض. وفي الوقت الذي يضم فيه الغرب آلاف المراكز الاستشرافية التي تدرس أدق تفاصيل مستقبلنا، نجد عقولنا مستهلكة في صراعات وهامشيات وتكفير متبادل وتسقيط ووشاية ، وكأننا نهرب من استحقاقات الحاضر لنحتمي بصراعات التاريخ.
وفي هذا المشهد المأزوم، يدفع المثقف الحقيقي الكلفة الأكبر؛ فالأنظمة التي تبحث عن الطاعة العمياء لا تطيق السؤال والمراجعة، مما جعل المعرفي والمفكر منبوذاً ومحارباً، يواجه إما جدران الزنازين أو جحيم العزلة والكآبة. هذا الحصار الفكري دفع بأبرز العقول العراقية والعربية إلى الهجرة، ليتوزعوا منافي الأرض من السويد إلى كندا وبريطانيا وهولندا ، في هجرة جماعية للأدمغة تتلقفها الدول الغربية بكل ترحاب لتبني بها أمجادها وتطورها، بينما تفرغ الأوطان من طاقاتها الحية. وفي غياب هؤلاء، تُرك الحبل على الغارب لمنصات العالم الافتراضي لتقود الذوق العام نحو منحدر من السطحية والابتذال الذي يستهدف وعي الشباب وقيمهم، بينما تدار المناصب بآلية المحسوبية والقرابة، فيُسند قرار الثقافة مثلا لمن لا يميز بين الالف المقصورة ورقبة البعير!
إن الخروج من هذا النفق المظلم لن يكون بالانخداع بالشعارات البراقة أو الاستسلام لواقع مأزوم؛ فالوجه الحقيقي للسياسة والمستقبل لا يقبع في خطابات السلطة، ولا في وعود معارضة تقول عكس ما تفعل، بل يختبئ في التفاصيل المجهرية المهملة على أرصفة الحياة. تلمحه في عيني صبية تبيع المناديل تحت شمس الصيف القائظ وتلاحق ظل شجرة يتبدل، وفي المفارقة الموجعة بين نيران آبار النفط المشتعلة في الأفق وبين أطفال حفاة يبحثون عن الغد بين تلال النفايات. إن جوهر الأوطان مكتوب في مناهج التعليم، وحتى في أقفال الأبواب وحديد النوافذ التي تعكس حجم التوجس من القادم.
إن تغيير هذا الواقع يبدأ من الإيمان بأن الثروة الحقيقية ليست في تلك المقدرات المدفونة تحت الأرض، بل في انتشال هذا الإنسان المنسي في القاع وإعادة الاعتبار للعقول التي جرى إقصاؤها. ومن هنا، من بلاد الغربة والمنافي التي نرقب فيها كيف تبني الشعوب قوتها باحترام أدق تفاصيل مواطنيها، يبقى الرهان معقوداً على مواجهة الحقائق كما هي بلا تزييف، لتتحول الأوطان من مجرد غصّة وحكايات نتحسر عليها في المغترب، إلى جغرافيا حية تنبض بالكرامة، وتصنع فعلها الحضاري بيدها، وتقود غدها بوعي حقيقي لا تباغته العواصف.




