وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿الأحزاب: 12﴾..!
✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿الأحزاب: 12﴾
نعم هذا ما قاله المنافقون وضِعاف الإيمان من غير المنافقين: ما وعدنا الله ورسوله من الظفر والنصر على العدو إلا وعدًا باطلًا، إلا أكاذيب وأباطيل، وخداع وتغرير، قال ذلك حين أقبلت الأحزاب بجيوشها وحاصرت المدينة، وبلغت قلوب أكثر المسلمين الحناجر من الخوف.
لقد وعدهم الله بالنصر، وكشف لهم رسول الله (ص) عن فتح قريب، وغلبة حتى على من كانوا خارج الجزيرة العربية، وأن الله تعالى سيفتح للمسلمين بلاد فارس والروم، وقد ذكر المؤرخون الذين أرَّخوا لمعركة الأحزاب: أنه بينما كان المسلمون مشغولين بحفر الخندق، اصطدموا بصخرة صلدة لم يؤثِّر فيها أيُّ معول، فأخبروا النبي (ص) بذلك، فأتى بنفسه إلى الخندق ووقف إلى جانب الصخرة، وأخذ المعول، فضربها أول ضربة قوية فانصدع قسم منها وسطع منه برق، فكبر النبي (ص) وكبر المسلمون، ثم ضرب الصخرة ضربة أخرى فتهشّم قسم آخر منها، وسطع منه برق أيضًا، فكبَّر النبي وكبَّر المسلمون، وأخيرًا ضرب النبي (ص) ضربته الثالثة، فتحطّم الباقي من الصخرة وسطع منه برق، فكبّر النبي (ص) ورفع المسلمون أصواتهم بالتكبير،
فسأل سلمانُ النبيَّ عن ذلك، فقال (ص): “أَضَاءَتْ لِيَ الْحِيرَةُ وَقُصُورُ كِسْرَى فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى، وَأَخْبَرَنِي جِبْرَئِيلُ أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّانِيَةِ الْقُصُورُ الْحُمْرُ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَالرُّومِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، وَأَضَاءَ لِي فِي الثَّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعَاءَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي ظَاهِرَةٌ عَلَيْهَا، فَأَبْشِرُوا”.
فاستبشر المسلمون.
فنظر المنافقون إلى بعضهم وقالوا: ألا تعجبون؟ يعدكم الباطل ويخبركم أنه ينظر من يثرب إلى الحيرة ومدائن كسرى وأنها تُفتَحُ لكم، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا؟ فأنزل الله الآية الكريمة.
فهذه حال من تلك الأحوال التي عرضت للمسلمين يومئذ، وهي أن المنافقين ومن في قلوبهم مرض من المؤمنين، قد كانوا من الذين ظنوا بالله ظنَّ السَّوء، فكان قولهم في مواجهة هذا الابتلاء، هو الاتهام لله تعالى ولرسوله وتكذيبهما، وهكذا تكشف الشدائد والمِحن عن معادن الناس، وعن مكنونات ضمائرهم، وما تخفي صدورهم.
وإذا كان المنافقون قد قالوا ذلك ويقولونه الآن من باب التهويل والتخذيل وتثبيط العزائم، والعمل على التأثير في إدراك الناس، فإن ضعاف الإيمان لا يقلّ تأثيرهم عن تأثير المنافقين، لأن سوء ظنّهم بالله وبعباده، ورعبهم، وخوفهم من المواجهة، يساهم كذلك في تثبيط الناس وزرع الخوف في نفوسهم، وتأليبهم على قيادتهم الشرعية الحكيمة، مما قد يؤدي إلى هزيمة المؤمنين الصادقين الموقنين بأن وعد الله لهم محقق لا محالة، وأن النصر آتٍ لهم قطعًا وإن تأخر في حسابات المؤمنين، فإنما يتأخر حتى تُستكمَل أسبابه التي قدَّرها الله سبحانه.
لقد كان اعتراض ضعاف الإيمان ناشئًا من ضعف يقينهم بالله تعالى وبقدرته، والإنسان إذا امتلأ قلبه بالخوف تضيق رؤيته، فلا يعود ينظر إلى قدرة الله، وإنما إلى قوة عدوه، ولا يقيس الأحداث بميزان الوحي، وإنما بميزان الحسّ والواقع المباشر، ومن هنا كان سوء الظن بالله من أخطر آثار ضعف الإيمان، لأنه يحجب صاحبه عن رؤية التدبير الإلهي، ويجعله يحاكم الوعد الإلهي إلى حسابات اللحظة، لا إلى سنن الله الجارية في نصرة أوليائه.
وهذه السنّة لا تختص بمعركة الأحزاب، بل تتكرّر كلما اشتدت المحن، فهناك من تزيده الشدائد يقينًا بوعد الله، لأنه يرى ما وراء الأسباب، وهناك من تزلزل قلبه عند أول اختبار، فيغلب عليه منطق اليأس وسوء الظن، فيحسب أن تأخُّر النصر دليل على عدم تحققه، مع أن القرآن يجعل تأخره جزءًا من سنن التمحيص والإعداد، لا دليلًا على انتفاء الوعد.
✍️ السيد بلال وهبي
فجر يوم الجمعة الواقع في: 3/7/2026 الساعة (04:08)




