إيران ترسم الخطوط الحمراء في الدوحة… ولبنان عقدة المفاوضات.جبهة وطنية تقدمية أو الانهيار الكامل..!
ميخائيل عوض / لبنان

*ترامب يكسر قواعد الحزب الجمهوري… والعصف قبل الانسحاب*
فإن سلوك ترامب تجاه استحقاق الانتخابات النصفية بات يعكس حالة قلق واضطراب واضح، فترامب، ، كسر تقاليد الحزب الجمهوري عندما ربط قراراته الكبرى باستحقاق الانتخابات النصفية، واضعاً شهر أيلول بدلا من تشرين الأول محطة فاصلة لتقييم مشروعه السياسي في سابقة لم يذهب إليها أي من مرشحي الحزب الجمهوري ستبقا
في هذا التصور، لا تبدو الهدنة والتفاوض سوى استراحة مؤقتة. فإذا أثبتت المعطيات أن المشروع الأمريكي يتعثر، فإن الخيار المرجح هو العصف قبل الانسحاب؛ أي تصعيد واسع يسبق إعادة التموضع. والسؤال ليس إن كان ترامب سينسحب، بل إلى أين؟
هناك احتمالين كبيرين : الأول انسحاب نحو إسرائيل، وتحويلها إلى رأس الحربة لإدارة معركة السيطرة على بلاد الشام وبلاد الرافدين واستكمال مشروع إعادة رسم المنطقة. والثاني، الانكفاء إلى الداخل الأمريكي والعودة إلى شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، مع تفكيك بنية العولمة الأمريكية وتقليص الانتشار العسكري الخارجي والانشغال بإعادة بناء الداخل.
وهنا يذهب التحليل إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن الولايات المتحدة، وهي تدخل عامها الـ250، تقف أمام لحظة تاريخية مفصلية: إما إعادة هيكلة النظام الأمريكي بالكامل ليبقى، وإما بداية التشظي والانكفاء كإمبراطورية لم تعد قادرة على حمل أعباء القيادة العالمية.
*مفاوضات الدوحة… “لحم الثعلب” لا أكثر*
إن ما يجري في الدوحة نموذج لـ”لحم الثعلب”؛ ضجيج تفاوضي كبير من دون نتائج حاسمة. كل طرف يعلن أنه لا يفاوض مباشرة، والجميع يتحرك عبر الوسطاء، فيما تبقى العقد الجوهرية على حالها.
إن إيران ما تزال تتمسك بمطلبين أساسيين: عدم العودة إلى الواقع الذي سبق الحرب في الخليج، ورفض أي ترتيبات تنتقص من موقعها في مضيق هرمز، إضافة إلى التمسك بوقف شامل للحرب على كل الجبهات، بما فيها لبنان.
لذلك، فإن المفاوضات، وفق هذا المنظور، لا تعكس انتصاراً أمريكياً أو إسرائيلياً، بل استمراراً لتعثر المشروع العسكري والسياسي حتى الآن.
*ورقة الاتفاق اللبنانية ـ الإسرائيلية ماتت… لكن المهمة أُنجزت*
إن الخطأ الأكبر الذي يقع فيه معظم اللبنانيين هو الاعتقاد بأن نجاح الورقة يقاس بدخولها حيز التنفيذ.
ففي رأينا ، الورقة ماتت قبل أن تُعلن، وهي غير قابلة للحياة دستورياً وسياسياً وشعبياً، لكن ذلك لا يعني أنها فشلت، لأن الهدف الحقيقي منها لم يكن تنفيذها، بل تحقيق ثلاثة إنجازات استراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة.
فالوثيقة، بحسب هذا التحليل، كانت وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية وقانونية، وليس مشروعاً قابلاً للتطبيق.
*الإنجاز الأول: إنقاذ نتنياهو والجيش الإسرائيلي من الانهيار*
إن أخطر ما حققته الورقة أنها جاءت في توقيت أنقذ حكومة بنيامين نتنياهو وجيشه من أزمة وجودية.
فالجيش الإسرائيلي، كان يواجه استنزافاً خطيراً وضغطاً متزايداً، فيما بدأت أصوات عسكرية إسرائيلية تتحدث عن تراجع الجاهزية واحتمال الانهيار إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها. وآخرها الإنذار الرابع الذي أطلقه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي كاتس وقال فيه لنتنياهو أمامك أربع أسابيع لانهيار الجيش فكان توقيع ورقة التفاوض في الأسبوع الثالث في زمن قدم فيه لبنان بسلطته المنبطحة طوق نجاة لجيش الإبادة والتهجير والقتل الذي يطال الشعب اللبناني كله.
وجاء توقيع الورقة ليمنح نتنياهو فرصة ذهبية لإعلان “إنجاز سياسي”، وسحب الوحدات العسكرية من الجبهة الجنوبية لإعادة تنظيمها وتأهيلها، من دون أن يبدو الأمر وكأنه انسحاب تحت الضغط.
وبذلك، تحولت الوثيقة إلى خشبة خلاص للقيادة الإسرائيلية، وأعادت إليها زمام المبادرة في لحظة كانت فيها تواجه واحدة من أصعب أزماتها.
*الإنجاز الثاني: إعطاء نتنياهو ما لم يكن يحلم بالحصول عليه*
إن أخطر ما في الوثيقة ليس البنود التنفيذية، بل المبدأ الذي كرسته.
فالورقة، وفق قراءتنا، منحت نتنياهو حقاً سياسياً غير مسبوق في التدخل بمستقبل الدولة اللبنانية، بدءاً من المؤسسة العسكرية، مروراً ببنية الجيش، والأخطر وصولاً إلى آليات تشكيل السلطة والرقابة عليها.
وأن مجرد تثبيت هذه المبادئ في وثيقة رسمية يمنح إسرائيل مكسباً استراتيجياً طويل الأمد، حتى لو لم تدخل الوثيقة حيّز التنفيذ، لأن أي حكومة لاحقة ستجد نفسها أمام نص يمكن العودة إليه والضغط به سياسياً ودبلوماسياً.
ويعطي نتنياهو إنجازا نوعيا يكون رافعة للأصوات الانتخابية بعد أن كانت كل استطلاعات الرأي تجزم بانهيار شعبيته وحتمية سقوطه.
*الإنجاز الثالث: تكريس حق أمريكي مفتوح لتدخل ترمب المباشر في الجيش والدولة*
أما المكسب الأخطر ، فهو أن الورقة شرعنت، للمرة الأولى، تدخلاً أمريكياً مباشراً في تفاصيل السلطة اللبنانية، ولا سيما المؤسسة العسكرية.
فهي، من وجهة نظرنا، تفتح الباب أمام واشنطن للتأثير في إعادة هيكلة الجيش، واختيار قياداته، وتنظيم وحداته، والإشراف على مسارات القرار الأمني والعسكري، بما يجعل النفوذ الأمريكي جزءاً من البنية القانونية والسياسية للدولة.
ولهذا نقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعودا بحاجة للدفاع عن الورقة، لأن الغاية الأساسية منها تحققت بمجرد توقيعها.
*ورقة ستسقط… فلماذا لن يدافع عنها الأمريكي والإسرائيلي؟*
واشنطن وتل أبيب تعلمان مسبقاً أن الوثيقة لا تملك مقومات الحياة.
فهي ساقطة شعبياً، ومرفوضة سياسياً، ويمكن إسقاطها دستورياً داخل مجلس الوزراء ثم داخل مجلس النواب.
لذلك لن تبذل إسرائيل أو الولايات المتحدة جهداً استثنائياً لإنقاذها، لأن المكاسب التي أرادتاها أصبحت أمراً واقعاً.
بل أكثر من ذلك نرى أن ما حققته من مكاسب سيبقى إنجازا لإسرائيل وأمريكا مع أي رئيس حكومة قادم؛ وسقطة كبرى للبنان حتى لو جاءت الحكومة كلها من الثنائي.
فالورقة أدت وظيفتها وانتهى دورها.
*نبيه بري… مهندس الأزمات ومدوّر الزوايا*
رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو اللاعب الأكثر خبرة في إدارة الأزمات اللبنانية.
فهو، بحسب توصيفنا “مهندس الأزمات” و”مدوّر الزوايا”، والرجل الذي يعرف كيف يمنع الانفجار عندما يصبح الانفجار مصلحة لآخرين.
ومن هنا يكتسب موقفه الرافض لإسقاط الحكومة أهمية استثنائية.
فعندما يعلن بري أن الثنائي لا يسعى إلى إسقاط الحكومة، فإن ذلك خ، ليس تصريحاً عابراً، بل رسالة سياسية تعكس وجود تفاهمات أعمق من الخلافات الظاهرة.
ونذهب بالتحليل إلى أن هذا الموقف يكشف استمرار اتفاق غير معلن بين السلطة والثنائي، وخلفهما تفاهمات تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والأمريكية، بما يضمن استمرار الحكومة وعدم الذهاب إلى مواجهة سياسية شاملة في هذه المرحلة.
*الثنائي نائم… بينما تُكرَّس أخطر التحولات*
إن ما تحقق في الورقة جرى فيما القوى الأساسية، ولا سيما الثنائي، متفاجئة باستمرار من أنه ما حصل لم يكن متوقعا وفي حساباتها، ونسأل متى سيتوقف الثنائي عن الدهشة من خداع المنظومة المستمر؟.
ونعتبر أن أخطر ما حدث هو تثبيت مكاسب استراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة من دون معركة حقيقية، فيما ينشغل الداخل اللبناني بالنقاش حول إمكانية تنفيذ الاتفاق أو إسقاطه.
ومن هنا نوجه انتقاداً قاسياً، معتبراً أن التركيز على إسقاط الورقة يخفي حقيقة أن أهدافها الأساسية تحققت بالفعل.
*البرلمان سيُسقط الورقة… لكن ذلك لا يمحو ما تحقق*
إن الورقة، مهما كان مصيرها، لن تعيش.
ففي تقديرنا ، يمكن إسقاطها داخل مجلس الوزراء إذا لم تحصل على الأكثرية المطلوبة، ثم إسقاطها داخل مجلس النواب بفعل موازين القوى البرلمانية، ما يجعلها وثيقة بلا مستقبل دستوري.
لكن المشكلة، كما نرى، أن سقوطها لن يلغي الإنجازات الثلاثة التي حققتها لإسرائيل والولايات المتحدة: إنقاذ نتنياهو وجيشه من أزمة خانقة، وتكريس حق التدخل الإسرائيلي في بنية السلطة والجيش، ومنح واشنطن شرعية سياسية للتدخل في المؤسسة العسكرية والدولة.
ولهذا نخلص إلى أن المعركة الحقيقية ليست مع ورقة ستسقط، بل مع النتائج التي رسختها في ميزان الصراع، والتي نعتبر أنها قد تبقى فاعلة حتى بعد اختفاء الوثيقة نفسها.
🖊 ميخائيل عوض




