بمن يستقوي الشيعة؟!
عباس سرحان ||

مقال رأي
سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه ينفتح على جرحٍ عميق حين نمعن النظر في خارطة القوى التي ترسم اليوم مشهد العراق السياسي. فسنّة العراق، حين تضيق بهم السبل، يجدون سندًا يستقوون به: تركيا بثقلها الإقليمي، ودول الخليج بمالها ونفوذها الدبلوماسي. والأكراد، من جهتهم، نسجوا على مدى عقود شبكة علاقات متينة مع واشنطن وتل أبيب، فباتت مواقعهم السياسية ومكتسباتهم المالية محمية بمظلة دولية لا يجرؤ أحد على خدشها.
أما الشيعة، الذين شكّلوا الأغلبية الديموغرافية وتصدروا المشهد السياسي بعد 2003، فبمن يستقوون؟
الإجابة المتوقعة، والتي كانت تبدو بديهية إلى وقتٍ قريب، هي إيران. لكن الساسة الشيعة، تحت وطأة ضغوطٍ داخلية وخارجية متراكمة، تبرأوا شيئًا فشيئًا من هذا الارتباط. وفي المقابل، أدارت أمريكا، التي كانت يومًا حليفة الحاجة لا حليفة القناعة، ظهرها لهم، واختارت أن تصطف مع السنة والأكراد في معادلة النفوذ الجديدة.
فماذا تبقّى للساسة الشيعة من سند؟ لم يبقَ، نظريًا، سوى جمهورهم.
تلك القاعدة الشعبية العريضة التي صوّتت لهم مرارًا، وناضلت من أجل وصولهم، وراهنت على أن يكونوا صوتها في أروقة السلطة.
لكن هذا الافتراض، للأسف، لا يعدو كونه نكتة مريرة لا يصدقها أحد ممن يعيش الواقع الشيعي اليوم. فالساسة الشيعة لم يستندوا إلى جمهورهم، بل تخلوا عنه، وتركوه فريسة للإهمال والنسيان.
انظروا إلى المدن الشيعية اليوم: ركامٌ من الفوضى العمرانية، وعشوائياتٌ تتمدد على أطراف المدن كأنها القدر المحتوم، وبطالة تنهش شباب الجيل الجديد وتدفعهم إما إلى الهجرة أو إلى اليأس. وقارنوا ذلك بما تشهده المدن الكردية والسنية من نهضة عمرانية وخدمية ملموسة، لتدركوا حجم المفارقة. فالجمهور الشيعي، الذي مُنح الوعود تلو الوعود، بات يشعر بالتمييز والامتهان، يرى بأم عينه أن معظم من انتخبهم لم يكونوا سوى وكلاء لمصالحهم الخاصة، لا نوابًا حقيقيين له تهمهم معاناته.
هكذا، تتكشف المفارقة الكبرى: ساسة شيعة فقدوا سند إيران، وخسروا ثقة أمريكا، وتخلّوا عن جمهورهم الذي كان يفترض أن يكون قوتهم الحقيقية.
فبقوا معلقين في فراغ سياسي، لا يستندون إلا إلى مواقعهم في السلطة.
وهذه مفارقة خطيرة يجب ان يلتفتوا لها سريعا.




