الخميس - 02 يوليو 2026

استرداد الأموال العامة.. عدالة ذكية لا تُسقط الفساد ولا تُفرّط بالمال العام..!

منذ 3 ساعات
الخميس - 02 يوليو 2026

المهندس علي جبار ـ مختص بإدارة الأزمات ||

 

 

 

إن استرداد الأموال المنهوبة من المال العام لا يعني – ولا يجب أن يعني – إسقاط المسؤولية الجنائية عن جرائم الفساد. فالمعادلة الحديثة في أنظمة العدالة المتقدمة تقوم على مبدأ واضح: استعادة المال لا تُساوي تبرئة الجريمة.

هذا النهج يُستخدم اليوم في الدول التي تعتمد “العدالة الذكية” في مكافحة الفساد، حيث يتم الفصل بين مسارين متوازيين:
الأول: استرداد الأموال العامة بأسرع الطرق القانونية الممكنة لإعادة ضخها في الاقتصاد الوطني.
الثاني: المساءلة الجنائية الكاملة لضمان الردع وعدم تحويل الفساد إلى صفقة مالية.

تجارب دولية راسخة
في التجربة الأمريكية، تعتمد السلطات على أدوات مثل:
* اتفاقيات الإقرار بالذنب (Plea Bargain)
* المصادرة اللاحقة للأصول (Asset Forfeiture)
* التسويات المالية المشروطة مع استمرار المسؤولية الجنائية

وفي المملكة المتحدة، تقوم Serious Fraud Office (SFO) باستخدام ما يُعرف بـ Deferred Prosecution Agreements (DPA)، وهي اتفاقيات تتيح استرداد الأموال والغرامات مع الإبقاء على الإدانة القانونية أو شروط رقابية صارمة.

أما في سنغافورة، وهي من أكثر الدول صرامة في مكافحة الفساد، فإن إعادة الأموال لا توقف المحاكمة الجنائية، بل قد تُعتبر عاملاً مساعداً فقط في تقدير العقوبة، دون أن تمس أصل الجريمة أو توصيفها القانوني.

وفي دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، يتم اعتماد نظام مزدوج يقوم على:
* المصادرة القضائية للأموال
* والمتابعة الجزائية المستقلة
بما يمنع تماماً فكرة “شراء الإفلات من العقاب”.

البعد القانوني الوطني
هذا النهج لا يتعارض مع فلسفة قانون العقوبات، بل ينسجم معها بشكل مباشر، لأن جوهر القانون هو حماية المال العام وتحقيق الردع العام والخاص.
فإعادة الأموال لا تُلغي الجريمة، لكنها قد تُستخدم كعنصر تقديري ضمن سلطة المحكمة في تحديد العقوبة، دون المساس بحق الدولة في الملاحقة.

الفكرة الجوهرية:

الدول الذكية لا تختار بين العدالة أو المال، بل تجمع بينهما:
تسترد المال بسرعة… وتحاكم الفساد بعدالة صارمة.
لأن تحويل الفساد إلى “تسوية مالية” دون مساءلة يعني تقنين السرقة، بينما ترك الأموال دون استرداد يعني خسارة مزدوجة للدولة.

استرداد الأموال ليس نهاية القضية… بل بداية العدالة.
والفساد لا يُغلق بفاتورة مالية، بل يُغلق بحكم قانوني رادع + استرداد كامل للمال العام.

#المهندس_علي_جبار
#العراق