حين يصبح يزيد سلوكًا… والحسين ذكرى..!
زمن احمد الخيكاني ||

ليست المأساة أن يُقتل الحسين مرةً واحدة بل أن تتكرر الفكرة التي قتلته في كل عصر فالتاريخ لا يعيد الأشخاص لكنه يعيد السلوك ويزيد لم يعد بحاجة إلى عرش أو جيش يكفي أن يسكن عقلًا يبرر الظلم أو لسانًا يزين الباطل أو مجتمعًا يقدس القوة أكثر مما يقدس العدالة.
في كل عام تمتلئ الشوارع بالسواد وترتفع الرايات وتسيل الدموع حبًا للحسين. لكن السؤال الذي يرفض أن يغادر الضمير وهو ماذا لو عاد الحسين اليوم هل سيجد مجتمعًا يحمل رسالته أم مجتمعًا اكتفى بإحياء ذكراه
إن أخطر ما يصيب الأمم هو الانفصال بين الشعور والسلوك نبكي المظلوم ثم نظلم بعضنا. نلعن الطغيان ثم نمارسه عندما نملك سلطة صغيرة نندد بالخيانة ثم نخون الحقيقة إذا تعارضت مع مصالحنا وهكذا تتحول عاشوراء إلى طقس بينما تغيب عنها رسالتها
سياسيًا لا يُقاس الولاء للحسين بعدد المواكب بل بمقدار العدالة التي يعيشها الناس فالدولة التي يُهدر فيها الحق ويُكافأ فيها الفاسد ويُهمَّش فيها الشريف لا تستطيع أن تدّعي أنها تعلمت من كربلاء مهما كثرت شعاراتها والمجتمع الذي يسكت عن الظلم لأنه صادر من القوي ثم يبكي على الحسين لأنه ضحية الظلم يعيش تناقضًا أخلاقيًا عميقًا
لقد انتصر يزيد عسكريًا في يوم عاشوراء لكنه هُزم أخلاقيًا أمام التاريخ أما المجتمعات فإنها قد تخسر أخلاقيًا كل يوم إذا جعلت من قيم الحسين مناسبة موسمية لا منهجًا دائمًا في التعامل مع الإنسان
الحسين لم يخرج ليؤسس ثقافة البكاء بل ليؤسس ثقافة المسؤولية أراد للإنسان أن يكون حرًا في ضميره شجاعًا في كلمته عادلًا في حكمه رحيمًا في سلطته وكل مجتمع يفقد هذه القيم مهما ارتدى السواد يبقى بعيدًا عن جوهر رسالته
إن الأمة لا تحتاج إلى المزيد من الدموع بل إلى المزيد من الصدق ولا تحتاج إلى خطب أطول بل إلى ضمائر أصدق لأن الحسين لا يُنصر بالبكاء وحده وإنما يُنصر حين يصبح الإنسان خصمًا للظلم ولو كان الظالم من أقرب الناس إليه
ويبقى السؤال الذي سيحاكم كل جيلهل قتل يزيد الحسين وانتهت القصة أم أن كل ظلم وكل فساد وكل تبرير للطغيان هو سهم جديد يُطلق على المبادئ التي استشهد الحسين من أجلها




