التحول الكبير… كيف تعيد حكومة علي الزيدي رسم الخارطة السياسية في العراق؟!
المهندس يونس الكعبي
2 تموز 2026

يشهد المشهد السياسي العراقي في الآونة الأخيرة حراكاََ أستثنائياََ أثار أهتمام المراقبين في الداخل والخارج ؛ فمنذ تسلم الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي مقاليد السلطة في آيار 2026 ، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل بسرعة غير متوقعة. هذه المرحلة أتسمت بخطوات جريئة لم تألفها البيئة السياسية العراقية منذ عام 2003 ، وعلى رأسها شن حملة مكثفة وعابرة للأصطفافات التقليدية لمكافحة الفساد ، طالت مسؤولين وشخصيات بارزة على المستويين الحكومي والبرلماني.
أولاََ: ملامح السياسة العراقية في المرحلة القادمة
تتحدد ملامح السياسة في العراق للمرحلة القادمة عبر ثلاثة مسارات أساسية ترتكز عليها الرؤية الحكومية الحالية ، لم تعد مكافحة الفساد شعاراََ أنتخابياََ ، بل تحولت إلى أجراءات تنفيذية ومداهمات أمنية مبنية على مذكرات قضائية طالت أسماءََ كبيرة ومحافظين ونواب في البرلمان سابقين وحاليين ، مما يعكس توجهاََ نحو تعزيز سلطة القضاء وتفكيك شبكات النفوذ المالي.
من جهة أخرى تسعى الحكومة إلى مغادرة النمط الريعي الكلاسيكي من خلال تفعيل الصناديق التنموية (مثل صندوق الطاقة والتنمية) والنهوض بالبنية التحتية والمشاريع الأستراتيجية التي تربط العراق بمحيطه الأقليمي والدولي وتخلق فرص عمل مستدامة.
يبقى موضوع حصر السلاح بيد الدولة الركيزة الأساسية لأستقرار أي مشروع سياسي أو أقتصادي ، حيث تضع الحكومة حصر السلاح وضبط الأمن في مقدمة أولوياتها لضمان بيئة أستثمارية آمنة وحماية السلم الأهلي.
ثانياََ: مصادر الدعم والغطاء للخطوات الحكومية الجريئة
يتساءل الكثيرون عن سر قوة وجرأة الحكومة العراقية الحالية بقيادة شابة قادمة من خلفية أقتصادية وقانونية في بيئة سياسية معقدة كالعراق. ويمكن أرجاع هذا الدعم إلى عدة مصادر متقاطعة:
* الدعم الشعبي الواسع: يمثل الشارع العراقي المتعطش للأصلاح والخدمات الرافعة الأساسية لهذه الحكومة. التنازل عن الأمتيازات الشخصية والنزول الميداني للشارع والمحاسبة الفعلية للفاسدين ، منحت الزيدي رصيداََ شعبياََ يمثل جدار حماية حقيقي بوجه الضغوط السياسية.
* التوافق السياسي الأضطراري (الأطار التنسيقي والشركاء): جاء تكليف الزيدي بعد أنسداد سياسي ومبارزة طويلة بين الأقطاب التقليدية ، مما جعل القوى السياسية تدرك أن أستمرار النهج القديم يهدد النظام برمته. هذا الأدراك ولد ضوءاََ أخضر (ولو مؤقتاََ) لمنح رئيس الوزراء مساحة للحركة لأنقاذ الموقف الأقتصادي والخدمي.
* الموقف القضائي الحازم: تتحرك الحكومة بغطاء قانوني كامل ، حيث يمثل التنسيق العالي مع السلطة القضائية وأصدار مذكرات القبض الرسمية ركيزة شرعية تحمي الخطوات التنفيذية من التفسيرات السياسية أو الكيدية.
* القبول الأقليمي والدولي: يعتمد العراق في رؤيته الجديدة على تعزيز سيادته وبناء علاقات متوازنة مع جيرانه والمجتمع الدولي (مثل أستقبال السفير التركي والوفود الخليجية والدولية) ، حيث يبحث المجتمع الدولي عن شريك عراقي قوي وقادر على حماية الأستثمارات والممرات التجارية الأستراتيجية.
ثالثاََ: هل تنجح الحكومة في تغيير معادلات المحاصصة السياسية والطائفية؟
أن الأجابة على هذا التساؤل تتأرجح بين التفاؤل الواقعي والتحديات البنيوية العميقة. فمعادلة المحاصصة (السياسية والطائفية) ليست مجرد عرف سياسي ، بل هي شبكة مصالح معقدة تجذرت على مدى أكثر من عقدين من الزمن.
عوامل تدعم النجاح والتغيير:
* يمثل الزيدي جيلاََ مختلفاََ يمتلك أدوات تكنوقراطية وخلفية مالية وقانونية ، بعيداََ عن أدبيات الصراع التاريخيّ لجيل الآباء المؤسسين بعد عام 2003 ، مما يتيح له التفكير بعقلية الدولة وبناء المؤسسات لا عقلية المكونات.
* أثبتت المحاصصة فشلها في تقديم الخدمات ، وأصبحت عبئاََ حتى على الكتل السياسية التي تبنتها ، مما يسهل عملية قضم أمتيازاتها تدريجياََ لصالح الكفاءة والتكنوقراط.
العقبات والتحديات:
ما زالت بعض القوى السياسية تمتلك أذرعاََ أقتصادية وأعلامية قوية قد تحاول عرقلة أي توجه يلغي مكاسبها الحزبية أذا ما شعرت بخطر وجودي يهدد نفوذها.
في نهاية المطاف ، تعتمد الحكومة على ثقة البرلمان الذي تشكلت خارطته وفقاََ للتوازنات السياسية التقليدية ، مما يتطلب مهارة عالية في الموازنة بين فرض الأصلاح والحفاظ على الأستقرار السياسي لضمان تمرير القوانين والتشريعات المهمة.
أن العراق يقف اليوم أمام فرصة تاريخيّة حقيقية لكسر النمطية التي سادت المشهد السياسي منذ عقدين ؛ فحكومة علي الزيدي لا تواجه الفساد كحالات فردية ، بل تصطدم بنظام مصالح متكامل.
النجاح في تغيير معادلة المحاصصة بشكل كامل قد يتطلب مدى زمنياََ أطول ، إلا أن تفكيك أحتكار مراكز النفوذ التقليدية وأرساء مبدأ المساءلة الفورية يمثل الخطوة الأولى والأساسية نحو بناء دولة المواطنة والمؤسسات التي يبحث عنها العراقيون. الأيام والمراحل القادمة من الحملة ستكون المحك الحقيقي لمدى قدرة هذه الحكومة على تحويل هذا التحول المؤقت إلى نهج سياسي ثابت ومستدام.




