حتما لست المقصود بكلام الاعلامي والكاتب زياد عيتاني حتما..!
ناجي علي أمهز ||

وصلني فيديو، ومعه الرابط ذاته، عشرات المرات من اصدقاء مسيحيين ومسلمين. “عن مقولة “إن ذهب الشيعة ذهب المسيحيون وراءهم” وكذلك العكس”.
وكان واضحاً أن كثيرين ظنّوا أن المقصود بكلام الإعلامي والكاتب زياد عيتاني على الجديد “هو شخصي”، ربما لأنني من القلائل جدا الذين اختاروا أن يكتبوا في هذا النهج والمسار الشائك والمعقد والحساس باسلوب تاريخي فلسفي حفر عميقا في العقل الجمعي، عن مسار العلاقة المارونية ـ الشيعية، لا من باب السياسة اليومية وتقلباتها، بل من باب التاريخ والتعايش الذي تصنعه المجتمعات قبل أن تصنعه السياسة.
لقد دفعتني حياتي الطبيعية بين أهلي الموارنة، وبين الكنيسة نخبهم السياسية والفكرية والثقافية، إلى الاقتراب من هذا الملف بوصفه جزءاً من سيرة عشتها، لا مادةً للجدل أو المناكفة. ولذلك كنت أعود دائماً إلى تلك الأدبيات الوجودية والمصيرية التي نسجت، عبر قرون طويلة، علاقة الموارنة والشيعة في هذا المشرق، علاقة لم تبدأ بالأمس، ولا تختصرها أزمة عابرة، بل تمتد في الوجدان والتاريخ المشترك إلى ما يزيد على ألف وأربعمئة عام.
ولعل ما عزز الاعتقاد بأن الكلام موجه إليّ هو أنني اعمل دائما وأحاول تقريب وجهات النظر بين الموارنة والشيعة من باب علم الاجتماع والتاريخ والوجدان، عبر مقالات توصف بدقة هذا التاريخ، في وقت اعتاد فيه كثيرون خطاباً مختلفاً يقوم على الاتهامات المتبادلة والتخوين المتبادل. فحين يصبح من يحاول بناء الجسور استثناءً، لا قاعدة، يصبح السؤال أكبر من الأشخاص، وأعمق من الأسماء.
حقيقة لا أعرف الأستاذ زياد عيتاني معرفة شخصية، وحتما لا يتقصدني بل يتحدث بشكل عام وهو للامانة التاريخية كل مفكر وكاتب يعرف ان هذه هي الحقيقة التي نمت بالاذهان والعقول ولاسباب تاريخية بان مصير الموارنة والشيعة واحد.
لكن ما يلفتني حقاً ليس هوية المقصود، بل واقعٌ ينبغي التوقف عنده: كيف يمكن لوطنٍ أن يطمئن إلى نفسه إذا اعتقد الناس أن شخصاً واحداً، أو قلةً قليلة من الأشخاص، هم حبل الوصل بين مكوناته الأساسية؟ إن مجرد شيوع هذا الاعتقاد يكشف خللاً وطنياً يستحق المعالجة، لأن العلاقات بين الطوائف لا تبنى على أفراد مهما كانت نياتهم صادقة، بل على ثقافة متبادلة من المعرفة والاحترام والشراكة، وأنا اؤيد ما جاء بوصف الاستاذ عيتاني ان المواطنة هي الخلاص الاخير حتى لهذه الافكار.
وما أكتبه عن العلاقة بين الشيعة والموارنة لا ينطلق من انحيازٍ لطرف على حساب آخر، بل من قناعة راسخة بأن لبنان لا يعيش إلا بجميع أبنائه. ولو أن خلافاً اعلاميا مماثلاً، وبالزخم ذاته، قام بين السنة والشيعة، لوجدتني أكتب بالاندفاع نفسه، وبالحرص نفسه، لأنني أحمل تجاه أهلنا السنة ما أحمله تجاه سائر اللبنانيين من مودة واحترام، ولأن جزءاً مهماً من تكويني الإنساني والوطني تشكل بينهم.
فقد عرفت، بيوتاً سنية كريمة اساسية وعريقة فتحت لي أبوابها كما تفتح الأبواب لأبنائها. وعشت في طرابلس الفيحاء، المدينة التي لم تعلّمنا السياسة بقدر ما علمتنا الأخلاق. هناك تعلمنا أن للكبير مكانة لا ينازعه عليها أحد، وأن الاحترام ليس شعاراً بل سلوكاً يومياً. تعلمنا أن الانسان ليس بالمال بل بالاخلاق، ونقف إجلالاً لمن يكبرنا سناً، وأن نصغي قبل التكلم، وأن نعرف حدود اللياقة قبل أن نتحدث عن الحقوق.
وأذكر أنني، في عز اندفاع الشباب والصلابة كأحجار الصوان بمواجهة السوريين، لم أتجرأ يوماً أن أنظر في عيني والدي أو والدتي، رحمهما الله، أثناء مخاطبتهما، ولم أجلس أمامهما متكئاً على ثقة زائدة، ولا شربت القهوة أو النرجيلة بحضرتهما. لم يكن ذلك خوفاً، بل احتراماً تعلمناه من العائلات والتقاليد الطرابلسية.
لهذا أؤمن أن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المتاريس النفسية بين أبنائه، بل إلى استعادة تلك القيم التي جعلت الاختلاف مساحة تعارف لا مساحة خصومة، وجعلت التنوع سبباً للغنى لا ذريعةً للانقسام. فالأوطان لا تحفظها الشعارات الكبيرة بقدر ما تحفظها الأخلاق الصغيرة التي يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل.




