بدل قتل البعوض.. جفّفوا المستنقع..!
رياض الفرطوسي ||

تتكرر في تاريخ المجتمعات لحظات تعقب الأزمات الكبرى، يصفها عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون في أطروحته الشهيرة عن سيكولوجية الجماهير بأنها فترات “العدوى العاطفية المفرطة”؛ حيث تقع الحشود تحت تأثير نشوة جماعية عارمة عند رؤية حدث حاسم يُشفي غليل سنوات القهر. هذا تماماً ما تجسد في المشهد الأخير في الساحة العراقية، إثر تلك المداهمات الخاطفة والمنظمة بدقة أمنية واستخباراتية بالغة، والتي أسقطت رؤوساً لطالما ظنّت أنها فوق الحساب. كان استسلامهم السريع واليائس يعكس انهياراً نفسياً تراكم عبر سنوات من ترقب هذا المصير الحتمي.
لكن القراءة السياسية العميقة تفرض على المثقف أن ينأى بنفسه عن الانجراف وراء صخب الاحتفالات الراهنة. فالقضية أعمق من مجرد الإطاحة بأسماء معينة، تماماً كما كتب المفكر إدوارد سعيد يوماً عن أوهام التغيير السطحي، موضحاً أن اقتلاع الرمز لا يعني اقتلاع البنية الثقافية والسياسية التي أنبتته. وإذا كانت الحشود تكتفي بـ”لحظة الخلاص” البصرية، فإن تجارب التاريخ القريب تُعلمنا الكثير؛ ففي سنغافورة مثلاً، قاد لي كوان يو نهضة استرداد مقدرات البلاد وبناء نزاهتها دون الحاجة إلى عسكرة الشوارع، بل عبر ترسيخ صارم لسلطة القانون، وتفعيل قضاء مستقل لا يجرؤ أحد على تجاوزه، وتحصين الاقتصاد ضد التبعية الأجنبية.
المفارقة المعقدة في الحالة العراقية تكمن في بنية “الفساد الهيكلي”. إنه ليس انحرافاً على هامش الدولة، بل هو شبكة عنكبوتية معقدة تتداخل فيها المصالح المحلية بأجندات قوى إقليمية ودولية فرضت وصايتها على القرار المالي والنفطي منذ عقود. وأخطر ما في هذه المنظومة ليس سرقة المال العام وحسب، بل ما يمكن تسميته “الاستعمار الناعم” أو الارتهان السياسي؛ حيث تُمارس القوى الكبرى، عبر واجهاتها الدبلوماسية والشركات العابرة للقارات، عملية إعادة توجيه للثروات بغطاء قانوني منمق، يصاحبها تغلغل ثقافي واجتماعي(من خلال برامج تعليمية وفنية براقة)هدفها الحقيقي خلق بيئة مجتمعية مطيعة ونخبة حكم جاهزة لتنفيذ الشروط والدفاع عن مصالح الخارج.
من هنا، يكتسب المسار الحذر الذي يتخذه رئيس الوزراء حالياً أهمية بالغة، وتلوح في الأفق فرصة تاريخية مؤاتية جداً لإحداث فارق حقيقي إذا ما تم استثمار هذا الزخم بذكاء. إن المؤشرات الحالية تدل على رغبة في تجاوز القشور؛ فالطبيب البارع لا يهدر وقته في تسكين الآلام بل يتجه فوراً لاستئصال الداء من جذوره. وتفكيك هذا الإرث الثقيل يتطلب شجاعة الانتقال من مرحلة “المداهمات” إلى مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية السيادية الشاملة، التي تحرر القرار الوطني من التبعية، وتعيد بناء قطاع مصرفي وقضائي مستقل تماماً.
إن مهمة الوعي اليوم هي التمعن في الجزء الغاطس من جبل الجليد، وألا يكتفي المثقف ببيع الطمأنينة الزائفة أو التفكير من منطقة العاطفة الحزبية الضيقة. فالغريق في لحظة النجاة قد لا يكترث بهوية من يمد له اليد، لكن الوعي السياسي يفرض سؤال “اليوم التالي”: ماذا بعد انقشاع الغبار ونهاية العرض الإعلامي؟ إن الرهان الحقيقي لإنجاح الخطوات الحالية يعتمد على الإدراك الحاسم بأن المعركة ليست جولة قتال مع فاسدين معزولين طلب بعضهم النجدة من وراء الحدود، بل هي معركة تجفيف المنابع السياسية والتشريعية التي تغذيهم، لأن ترك البيئة على حالها يعني ببساطة انتظار جيل جديد من اللصوص، والحل المستدام كان وسيبقى في تنشيف المستنقع بأكمله.




