حين تفوح روائح المليارات المنهوبة..!
ضياء ابو معارج الدراجي

قديماً، وفي سنوات الحصار، كانت شوارع بغداد تفوح منها رائحة ما كان العراقيون يسمونه “تايرات أبو الريحة”، لأن الفقر أجبر الناس على شراء إطارات مستعملة تُنتشل من المزابل، فكانت رائحتها تسبق سياراتها. كنا نظن أن تلك الروائح هي أقصى ما يمكن أن يبتلي به هذا البلد.
لكن اليوم اكتشف العراقيون أن رواتبهم ربما تحمل روائح أشد غرابة. فبعد الإعلان عن استرداد مليارات مخبأة بطرق لا تخطر على بال، بدأ المواطن يتساءل: أي رائحة تفوح من الدينار الذي يصل إلى جيبه؟ هل هي رائحة التنور الطيني؟ أم التبن؟ أم العلف الحيواني؟ أم السبلت؟ أم تراب السقوف؟ أم طين المزارع الذي دُفنت فيه الأموال؟ أم رائحة الإسطبلات التي تحولت إلى خزائن للمليارات المنهوبة؟ أم أن الأيام ستكشف لنا مخابئ جديدة لم تخطر على خيال أحد؟
المؤلم أن الموظف الذي كان ينتظر راتبه ليعيش بكرامة، اكتشف أن أزمته لم تكن نقصاً في موارد الدولة، بل كانت بسبب سدود من الفساد حجبت أموال الشعب عن أصحابها. لقد اتضح أن العراق لا يعاني من السدود التي تحجز مياه دجلة والفرات فحسب، بل من سدود مالية ضخمة أقامها الفاسدون، احتجزوا خلفها ثروة شعب كامل، حتى جفّت جيوب الناس كما جفّت الأنهار.
وحين تُكسر هذه السدود، لن يستعيد العراق أمواله فقط، بل سيستعيد حقاً سُرق من أفواه الفقراء، ومن أحلام الشباب، ومن مستقبل وطن كان قادراً على أن يكون أغنى من أن يقف موظفوه كل شهر بانتظار راتب قد يتأخر او شاب ينتظر التعيين او عاجز ينتظر راتب الرعاية، بينما ملياراتهم مدفونة تحت التراب او تحرق في تنانير فاسدة. فالمأساة لم تكن يوماً في قلة المال، وإنما في كثرة اللصوص.
ضياء ابو معارج الدراجي




