خُلود الإمام الحسين(ع)… وسُقوط يزيد إلى الأبد..!
✍️ د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||

ليست الحياة بطول الأعمار، وإنما بعظمة المواقف. فهناك أناس انتهت حياتهم منذ قرون، لكنهم ما زالوا أحياء في ضمير الإنسانية، وهناك آخرون عاشوا في القصور، ثم ماتوا وبقيت لعناتهم تلاحقهم عبر التاريخ.
والخلود نوعان لا ثالث لهما:
خلودٌ بالفضائل، وخلودٌ بالرذائل.
فأهل الإيمان والحق يخلدهم الله بالذكر الحسن، وبالأثر الطيب، وبمحبة الناس، وتتناقل سيرتهم الأجيال جيلاً بعد جيل، لأنهم حملوا قيم العدل والكرامة، وبذلوا أنفسهم في سبيل الله.
أما أهل الباطل والطغيان، فإنهم وإن امتلكوا السلطان زمنًا، فإن التاريخ لا يذكرهم إلا باللعن والازدراء، وتبقى جرائمهم شاهدة عليهم إلى قيام الساعة.
ومن أوضح صور هذا التقابل الخالد ما جسدته واقعة كربلاء؛ ففي جانبها يقف الإمام الحسين بن علي عليه السلام، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي خرج لإحياء دين جده، وإقامة العدل، ورفض الظلم والانحراف، فكان مشروعه مشروع أمة، لا مشروع سلطة.
ولذلك بقي الإمام الحسين خالدًا في وجدان المسلمين وأحرار العالم، وأصبحت عاشوراء مدرسةً تتجدد كل عام، تستلهم منها الشعوب قيم الصبر، والثبات، والحرية، والتضحية، وأصبح مرقده الشريف في كربلاء قبلةً للملايين من مختلف الجنسيات، يجددون العهد مع مبادئه الخالدة.
وفي المقابل، بقي يزيد بن معاوية رمزًا للطغيان والانحراف، فلا يُذكر إلا مقرونًا بالفسق وبجريمة كربلاء، وما أعقبها من مآسٍ وانتهاكات هزّت ضمير الأمة.
لقد امتلك السلطة زمنًا قصيرًا، لكنه خسر التاريخ، وخسر احترام الإنسانية، وخسر ما هو أعظم من ذلك كله: رضا الله سبحانه وتعالى.
وهكذا شاءت حكمة الله أن يكون الخلود الحقيقي لأصحاب المبادئ، لا لأصحاب العروش، وأن يبقى الحق شامخًا مهما تكالبت عليه قوى الباطل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، لا تزال معركة كربلاء حاضرةً في واقع الأمة. فكل من يقف في مواجهة الظلم والاستكبار يستلهم من الإمام الحسين الثبات والعزة، وكل مشروع استكباري يعيد إنتاج نهج يزيد، مهما اختلفت الأسماء والشعارات.
ومن هنا جاءت كلمة السيد القائد في إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام لتؤكد أن أمتنا، وهي تواجه قوى الاستكبار العالمي، تستمد من القرآن الكريم، ومن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الإمام الحسين عليه السلام، روح الصمود والثبات، وأن مدرسة كربلاء ليست مجرد ذكرى تاريخية، لكنها منهج عملي في مواجهة الطغيان حتى يتحقق وعد الله بنصر المستضعفين.
إن الأيام أثبتت أن للباطل جولة ثم يضمحل، وأن الظالم مهما تجبر فإن مصيره إلى الزوال، بينما يبقى أصحاب القضية العادلة خالدين في الدنيا بحسن الذكر، وفي الآخرة بجزاء الله العظيم.
فسلامٌ على الإمام الحسين يوم ولد، ويوم استشهد، ويوم يبعث حيًا، ولعنة الله على الظالمين الذين يسعون في الأرض فسادًا، وهم الأخسرين أعمالًا.




