ساويرس في دمشق .. حين يسبق المال الوطن..!
د. محمد سيد أحمد ـ مصر ||

ليست كل زيارة يقوم بها رجل أعمال إلى دولة أخرى مجرد نشاط اقتصادي، وليست كل صورة تجمع رجل أعمال برئيس دولة تقرأ باعتبارها بروتوكولًا عابرًا. فهناك لحظات يصبح فيها الاقتصاد امتدادًا للسياسة، ويصبح الاستثمار رسالة تتجاوز لغة الأرقام والأرباح إلى فضاء أكثر اتساعًا يتعلق بموازين القوى، والتحالفات، والأمن القومي.
من هذا المنطلق، لم أتعامل مع زيارة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى دمشق ولقائه بالرئيس السوري المغتصب للسلطة أحمد الشرع باعتبارها رحلة لاستكشاف فرص استثمارية أو المشاركة في إعادة إعمار سورية، وإنما باعتبارها حدثًا سياسيًا بامتياز، يحمل من الدلالات ما هو أكبر بكثير من توقيع عقود أو الإعلان عن مشروعات اقتصادية.
لا أحد يعارض إعادة إعمار سورية، بل إن كل قومي عربي يتمنى أن تستعيد دمشق عافيتها ومكانتها، وأن يعود الشعب السوري إلى حياة طبيعية بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار. لكن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتجاوز الأسئلة الكبرى، أو إلى أداة تمنح شرعية سياسية قبل أن تحسم الملفات الأمنية والقانونية التي لا تزال محل اهتمام عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها مصر.
إن أحمد الشرع ليس رئيسًا جاء من المؤسسة الوطنية السورية التقليدية، وإنما شخصية ارتبط اسمها لسنوات طويلة بتنظيمات إرهابية، وعرف عالميًا باسم أبو محمد الجولاني الإرهابي المطلوب دوليًا. ورغم التحولات السياسية التي شهدتها سورية، فإن تغيير المواقع لا يمحو التاريخ، كما أن تبديل الأسماء لا يلغي ذاكرة الشعوب ولا يبدد المخاوف المشروعة المتعلقة بماضي الجماعات الإرهابية التي أنهكت المنطقة لعقدين كاملين.
ولعل ما يثير الاستغراب أن يأتي هذا الانفتاح الاقتصادي في وقت لا تزال فيه القاهرة تنظر إلى ملف مكافحة الإرهاب باعتباره أولوية مطلقة من أولويات أمنها القومي. فقد دفعت مصر ثمنًا باهظًا في حربها ضد التنظيمات الإرهابية، وسقط مئات الشهداء من أبناء القوات المسلحة والشرطة والمدنيين دفاعًا عن الدولة الوطنية. ومن الطبيعي أن تكون لدى الدولة المصرية حساسية خاصة تجاه أي ملفات تتعلق بعناصر متشددة أو مطلوبين على ذمة قضايا إرهاب.
لقد شاهدنا بجوار الشرع عناصر مصرية تنتمي إلى جماعات إرهابية صدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية، كما أن القاهرة شددت في أكثر من مناسبة على أهمية التعاون في مكافحة الإرهاب وعدم توفير ملاذات آمنة للعناصر المطلوبة. وهذه قضية لا يمكن لأي مصري حريص على أمن وطنه أن يتعامل معها بخفة أو يعتبرها مجرد تفصيل يمكن تجاوزه تحت عنوان الاستثمار أو إعادة الإعمار.
ولهذا فإن الصورة التي ظهر فيها نجيب ساويرس إلى جوار أحمد الشرع لم تكن بالنسبة لي مجرد صورة بروتوكولية، وإنما رسالة سياسية تحمل دلالات لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي. فالرموز في السياسة لها قيمتها، والصور قد تكون أحيانًا أكثر تأثيرًا من البيانات الرسمية.
الأمر لا يتعلق بموقف شخصي من ساويرس، ولا برفض لدور القطاع الخاص في التنمية، فالرجل يمتلك خبرة اقتصادية واسعة، ومن حقه البحث عن فرص استثمارية. لكن رجال الأعمال الكبار، حين يتحركون في مناطق النزاعات والتحولات الجيوسياسية، لا يعودون مجرد مستثمرين يبحثون عن الأرباح، بل يصبحون، شاءوا أم أبوا، جزءًا من مشهد سياسي بالغ التعقيد، وتتحول تحركاتهم إلى رسائل تقرأ إقليميًا ودوليًا.
ولا أستطيع أن أفصل هذا الحراك الاقتصادي عن المساعي الغربية، وعلى رأسها الأمريكية، لإعادة دمج السلطة الجديدة في دمشق داخل المنظومة الإقليمية والدولية عبر بوابة الاقتصاد والاستثمارات. وقد يرى آخرون أن هذا الانفتاح يخدم الاستقرار، لكنني أراه مسارًا يثير أسئلة مشروعة حول من يحدد مستقبل سورية، ومن يرسم أولوياتها، ومن سيملك النفوذ الحقيقي في مرحلة ما بعد الحرب.
لقد علمتنا تجارب المنطقة أن رأس المال قد يتحول إلى أداة نفوذ سياسي، وأن الشركات الكبرى كثيرًا ما تكون جزءًا من ترتيبات استراتيجية أوسع من مجرد الحسابات التجارية. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن إعادة الإعمار أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، حيث تتنافس القوى الدولية والإقليمية على رسم شكل الدولة السورية الجديدة.
ومن هنا، فإنني كنت أتمنى أن يكون رجل الأعمال المصري أكثر إدراكًا لحساسية اللحظة السياسية، وأكثر مراعاة لأولويات دولته. فمصر ليست مجرد دولة تبحث عن فرص استثمارية، وإنما دولة دفعت أثمانًا هائلة دفاعًا عن أمنها واستقرارها، ولا يجوز أن تبدو رسائل بعض رموزها الاقتصادية وكأنها منفصلة عن هذه الاعتبارات.
إن الوطنية ليست شعارًا يرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تفرض على كل شخصية عامة أن تزن خطواتها بميزان المصلحة الوطنية قبل حسابات الربح والخسارة. وما قد يبدو صفقة اقتصادية ناجحة في نظر المستثمر، قد يقرأ سياسيًا باعتباره إشارة لا تنسجم مع أولويات الدولة التي ينتمي إليها.
إن سورية تحتاج إلى إعادة إعمار، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإلى معالجة الملفات الأمنية العالقة، وإلى بناء علاقات عربية قائمة على الثقة والشفافية والاحترام المتبادل. فالاقتصاد لا يستطيع وحده أن يعالج آثار الحروب، كما أن الأموال لا تستطيع أن تشتري الثقة إذا كانت الملفات الجوهرية لا تزال مفتوحة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يجوز أن يسبق الاستثمار معالجة قضايا الإرهاب والأمن القومي؟ وهل يمكن لرأس المال أن يقفز فوق ذاكرة الدم التي لا تزال حاضرة في وجدان المصريين والعرب؟
من وجهة نظري، الإجابة واضحة. فالأوطان لا تقاس بحجم الاستثمارات، وإنما بقدرتها على حماية أمنها القومي وصيانة استقلال قرارها. وكل خطوة اقتصادية لا تراعي هذه الحقيقة تظل، مهما بدت مغرية، خطوة تستحق التوقف أمامها بالنقد والمراجعة، اللهم بلغت اللهم فاشهد.




