الجمعة - 26 يونيو 2026

نداء الحسين عليه السلام: من شعارٍ تاريخي إلى معيارٍ استراتيجي لتمييز الموقف..!

منذ ساعتين
الجمعة - 26 يونيو 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

ليس نداء الإمام الحسين عليه السلام حدثًا انقطع في كربلاء، ولا عبارةً بقيت حبيسة التاريخ، بل هو رسالة تشغيلٍ أخلاقي وسياسي متجددة تعمل عبر كل زمان، وتعيد تعريف معنى الوقوف، والانحياز، والولاء، والكرامة.

فحين يقول الامام الحسين: «هل من ناصرٍ ينصرنا» فهو لا يطلب عدداً، بل يختبر جودة الإنسان؛ لا يبحث عن كثافة الصفوف، بل عن صلابة الموقف، ولا يريد جمهورًا عاطفيًا، بل قاعدة واعية قادرة على تحمّل كلفة الحق.

في المنطق الإستراتيجي يقال إن : هذا النداء يشبه نقطة فرز كبرى، من استجاب له دخل في مسارٍ يحمّل صاحبه مسؤوليةً تاريخية، ومن تجاهله دخل في منطقة رمادية يتآكل فيها الضمير تحت ضغط الخوف والمصلحة والمجاملة. ولذلك فإن الذين يسمعون هذا النداء حقًا لا يكتفون بالبكاء عليه، بل يجعلونه بوصلة قرار، ومعيارًا للموقف من الفساد، والظلم، والاستكبار، والنفاق، وكل قوة تحاول أن تفرض على الإنسان أن يبيع عقيدته مقابل الأمان الوهمي أو المنفعة المؤقتة. إن جوهر النداء الحسيني هو أن الحق لا يُقاس بحجم قوته الظاهرية، بل بصدق مشروعيته…

لذلك فإن كل من يختبئ خلف “العناوين الكبيرة”، أو خلف المال، أو النفوذ، أو الإعلام، أو الاصطفاف القبلي والطائفي، يظل في ميزان الإمام الحسين ( عليه السلام) ، صغيرًا مهما تضخّم، فالخطر الحقيقي ليس في خصمٍ مكشوف، بل في منظومة التزييف التي تعيد تعريف الباطل على أنه واقعية، والسكوت على أنه حكمة، والتبعية على أنها مصلحة عامة. ومن هنا، فإن معركة الإمام الحسين عليه السلام، ليست معركة سيف فقط، بل معركة سردية ومؤسساتية وقيمية أيضًا.

لأن الظلم حين يتطور لا يعود مجرد سلوك فرد، بل يتحول إلى شبكة نفوذ: مالٌ يموّل، ومنبرٌ يبرّر، وإعلامٌ يلمّع، وخوفٌ يُنتج الصمت، ومنافقون يزينون الانكسار بلغة العاقل المتزن. وهنا يصبح النداء الحسيني تهديدًا مباشرًا لكل هذه البنية؛ لأنه يفضحها ويعيد ترتيب الأولويات: لا قيمة لهيبة السلطة إذا كانت على حساب الحق، ولا وزن للمنصب إذا تحول إلى أداة لإهانة الناس، ولا شرعية لأي خطاب إذا كان يطلب من الأحرار أن يركعوا لغير الله.

إن الذين يعبدون الطغاة اليوم لا يفعلون ذلك بالضرورة بصيغة السجود الصريح، بل بصيغة التسليم النفسي والإداري والإعلامي. يلمّعون المستكبر حين يخدم مصالحهم، ويهاجمون المصلح حين يهدد امتيازاتهم، ويصنعون من الخنوع “عقلانية”، ومن المقاومة “تهورًا”، ومن الكرامة “مغامرة”. وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي يكشفه النداء الحسيني:

هل أنت مع الحق لأنه حق، أم مع القوة لأنها الأقوى؟ هل تقف مع المبدأ أم مع موازين السوق السياسي حين تبيع الضمير بالسعر بخس؟. إن ثلة الإمام الحسين عليه السلام، لم تكن كثيرة العدد، لكنها كانت عالية الكفاءة الإيمانية. كانت تملك وضوح الهدف، ونقاء النية، واستعدادًا لتحمل الخسارة في سبيل تثبيت المعنى.

وفي لغة اليوم، يمكن القول إنهم امتلكوا أعلى درجات الالتزام بالمهمة، ولم يسمحوا للضغط النفسي ولا للتهديد الأمني ولا لانهيار البيئة المحيطة أن يعيد تشكيل قناعاتهم.

وهذه هي قيمة كربلاء: أنها لا تعلمنا كيف ننتصر عسكريًا فقط، بل كيف نمنع الهزيمة الأخلاقية حتى لو اختلت موازين القوة. ومن يتأمل المشهد جيدًا يدرك أن النداء الحسيني لا يطلب منا بطولةً خطابية، بل سلوكًا مؤسسيًا: أن نرفض الفساد حين يدخل من الباب الرسمي، وأن نفضح الظلم حين يتلبس لباس القانون، وأن لا نبيع المبادئ تحت عناوين الواقعية، وأن لا نجامل المستكبر لأن قربه يفتح أبواب المنفعة. فالحسين عليه السلام لم يكن مشروعه عاطفيًا؛ كان مشروعه إعادة تأسيس للشرعية على قاعدة العدل، والكرامة، ورفض التسلط.

ولهذا فإن كل زمنٍ يكرر مأساة كربلاء بصيغ مختلفة: يزيد قد يتبدل اسمه، ووسائل القهر تتغير أدواتها، لكن الجوهر واحد؛ هناك دائمًا من يريد تحويل الناس إلى أرقام صامتة في ميزان الخضوع، وهناك دائمًا من يصر أن يبقى الإنسان شاهدًا على الحق لا موظفًا في خدمة الباطل. وهنا تتحدد هوية المجتمعات:

هل تنتج رجال موقف أم موظفي تبرير؟ هل تخرج أحرارًا أم خبراء في تزيين الانكسار؟، إن نداء الحسين عليه السلام اليوم يضعنا أمام مسؤولية واضحة: أن نُراجع مواقعنا، وخطابنا، وتحالفاتنا، وقيمنا؛ أن نسأل أنفسنا: من نمول؟ من نبرر؟ من نصمت عنه؟ ومن نواجهه؟ ، لأن كل سكوتٍ عن الفساد هو مساهمة غير مباشرة في تمدده، وكل تبريرٍ للظلم هو مشاركة في إطالة عمره، وكل خوفٍ من قول الحق حين يجب قوله هو خسارة في رصيد الكرامة.

في النهاية، يبقى نداء الإمام الحسين عليه السلام، اختبارًا مستمرًا للضمير الجمعي. من سمعه ولم يتحرك، فحجته ثقيلة. ومن استجاب له، ولو كان قليلًا، صار جزءًا من مشروع الخلود الإنساني الذي لا تُسقطه الدعاية ولا تُلغيه القوة. فالحسين لا ينادي ليُبكى عليه فقط، بل ليُتبَع؛ لا يُستذكر ليومٍ واحد، بل ليُحوَّل إلى منهج قرار في مواجهة الفساد، والظلم، والاستبداد، والنفاق.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل جيل:

هل نحن مجرد متعاطفين مع كربلاء، أم نحن من الناصرين الذين فهموا أن النداء لم ينتهِ بعد؟..