من يمول” إبن زياد” اليوم لقتل الحسين إلكترونيا؟!
سعد جاسم الكعبي ||
كاتب عراقي

كلما اقتربت ذكرى عاشوراء، يتكرر مشهدٌ رقميا لم يعد خافياً على أحد،آلاف الصفحات والحسابات تظهر فجأة على فيسبوك وتيك توك ويوتيوب كأنها خرجت من الأرض. محتواها واحد يتكرر بأساليب مختلفة: إعادة كتابة أحداث كربلاء، وتلميع صورة يزيد بن معاوية ومعاوية بن أبي سفيان، وتقديم رواية تاريخية مغايرة تقلل من حجم المأساة، مقابل هجوم مركز على رموز ومقدسات الطرف الآخر.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تشتعل هذه الحرب الإلكترونية تحديداً مع كل عاشوراء؟ ومن يقف خلفها؟ وكيف نردعها دون أن نقع في الفخ الذي نُصب لنا؟
الجواب يكمن في طبيعة عاشوراء نفسها كحدث،فعاشوراء هي أعلى “ترند” سنوي في العراق والعالم الإسلامي، والخوارزمية تحب الكلمات التي يبحث عنها الملايين في لحظة واحدة: الحسين، كربلاء، يزيد، فصارت المناسبة موسم استثمار رقمي بامتياز. وكما تطلق الشركات عروض رمضان، تطلق هذه الشبكات “روايتها التاريخية” في الوقت الذي يكون فيه الجمهور كله يبحث عن الحقيقة.
الفراغ الرقمي يقابله هجوم منظم؛ فالطرف الذي يدافع عن مظلومية الحسين غالباً ما يركز على المجالس والعاطفة، بينما بنى الطرف الآخر منذ سنوات غرف محتوى متكاملة من مصممين ومونتير وكتّاب سكربتات لا تتجاوز ثلاثين ثانية. فعندما يهل شهر محرم، يكون لديهم ألف فيديو جاهز للنشر في الدقيقة، بينما نحن نرد بعاطفة متأخرة.
الهدف من هذه الزيادة المفاجئة أعمق بكثير من مجرد “الدفاع عن شخصية تاريخية”.
الهدف الحقيقي هو تحويل عاشوراء من قضية إصلاح وثورة على الظلم إلى قضية خلاف مذهبي قديم. يريدون جر الناس من السؤال المصيري: “الحسين ثار على من؟ ثار على الفساد والظلم والسلطة المطلقة” إلى سؤال هامشي: “الحسين على حق أم يزيد على حق؟”. وبمجرد أن يتحول النقاش إلى جدال تاريخي عقيم، ينسى الجميع الدرس الأساسي الذي خرج من أجله الإمام الحسين عليه السلام. وهنا يتم قتل الرمز إلكترونياً، وتُقتل الرسالة، وتُقتل الوحدة بين أبناء الوطن الواحد.
وهنا يأتي السؤال الأصعب: من يمول هذه الشبكات الضخمة؟ لا يوجد اعتراف رسمي من جهة، لكن تحليل حركة هذه الصفحات يعطي ثلاثة سيناريوهات متكررة يذكرها خبراء الإعلام الرقمي.
السيناريو الأول هو ما يسمى “اقتصاد الكراهية”. فهذه الصفحات تجني أرباحاً مباشرة من الإعلانات على فيسبوك ويوتيوب، والقاعدة بسيطة: كلما زاد السب والشتم والتفاعل الغاضب، زاد “الريتش” وزادت الأموال. فيصبح الهدف مادياً بحتاً، وصاحب الصفحة لا يهمه يزيد ولا الحسين، وإنما الدولار الذي يدخل حسابه مع كل تعليق غاضب.
السيناريو الثاني يتعلق بغرف العمليات السياسية والملاحظ أن نشاط هذه الصفحات يقفز بنسبة أربعمائة بالمئة في أوقات محددة جداً: وقت الأزمات السياسية، وقبل الاستحقاقات الانتخابية، وعند أي أنباء عن تفاهم أو اتفاق إقليمي بين طهران وواشنطن. وهنا يتحول عاشوراء من ذكرى إلى سلاح تعبئة إلكتروني، والهدف هو شغل الشارع عن ملفات الفساد والخدمات وتحويله إلى معركة طائفية جانبية. فالفاسد دائماً يحتاج إلى “عدو داخلي” يبرر به فشله، فيقول للناس: “انظروا، المشكلة ليست في سرقة المليارات، وإنما في أنهم يسبون الصحابة”، أو “المشكلة في أنهم يلمعون يزيد”.
السيناريو الثالث هو الدعم الخارجي المنظم. فعندما ترى عشرين صفحة جديدة بنفس الشعار ونفس التصميم ونفس الفيديو ينزل في خمس دول في اللحظة ذاتها، فاعلم أن وراء الأمر سيرفرات وميزانية ومونتير محترف. هذا لم يعد رأي فرد غيور، بل صارت حرباً ناعمة تستخدم السوشال ميديا ساحة صراع بديلة عن السلاح. وتصدير الانقسام الطائفي أصبح أرخص وأكثر فاعلية من تصدير السلاح نفسه، لأن نتيجته تدمير المجتمع من الداخل.
إذا كيف نردع هذه المنشورات المستفزة وغير المنصفة؟ والجواب: لا نواجه النار بالبنزين. فالرد بالسب والشتم هو بالضبط ما يريده صاحب الصفحة، لأن كل تعليق غاضب هو تفاعل أكثر، وتفاعل أكثر يعني أموالاً أكثر ووصولاً أوسع.
السلاح الأول هو “فضح الآلية” بدل الرد على المحتوى؛ فلا تدخل معه في معركة “يزيد حق أم الحسين حق”. والرد القاتل يكون بسؤال واحد تثبته كأول تعليق: “سؤال بسيط: من يدفع إعلانات لهذه الصفحة؟ ومن المستفيد من شغل العراقيين بمعركة وقعت قبل أربعة عشر قرناً بدل أن نسأل عن فساد اليوم؟”. وهنا تنتقل من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وتجبره هو على الدفاع عن مصدر تمويله.
السلاح الثاني هو “التبليغ الذكي الجماعي”. فيسبوك لا يحذف الرأي التاريخي، لكنه يحذف خطاب الكراهية المباشر والمعلومات المضللة والحسابات غير الأصيلة. فعندما ترى منشوراً يسب الإمام علي أو الإمام الحسين صراحة، لا ترد عليه، بل خذ لقطة شاشة وبلّغ عنه بصفته “خطاباً يحض على الكراهية”. وإذا جلب حديثاً مكذوباً أو تاريخاً محرفاً، بلّغ عنه بصفته “معلومات مضللة”. والقاعدة الذهبية تقول إن مئة شخص يبلغون عن صفحة واحدة في اليوم نفسه كفيل بأن ينخفض تقييمها وتختفي من التوصيات.
السلاح الثالث والأخطر هو “إغراق المنصة بالمحتوى الإيجابي”. خوارزمية فيسبوك وتيك توك لها قاعدة واحدة: الذي يحصل على تفاعل أكثر يصعد أكثر. فبدل أن تضيع ساعتين تتعارك في تعليقات صفحتهم، اصرف عشر دقائق وانشر أنت. أنشئ هاشتاغاً موحداً مثل #عاشوراء_وحدة أو #الحسين_ضد_الفساد، وانشر فيه فيديو قصير عن موقف إصلاحي للإمام الحسين، أو صورة مع قوله: “إنما خرجت لطلب الإصلاح”. وعندما يصبح هاشتاغك “ترند”، فإن منشوراتهم تُدفن في الصفحة العاشرة تلقائياً. وهذه هي حرب المحتوى التي يخافون منها.
السلاح الرابع هو “توحيد الخطاب الوطني”. الصفحة المستفزة تريد أن تقسمك إلى “شيعي ضد سني”. وأنت اكسر هذه المعادلة بجملة واحدة يتفق عليها كل شريف: “الإمام الحسين ثار على الظلم والفساد، والظالم والفاسد عدو كل العراقيين سنة وشيعة”. وعندما تنشر بهذه الروح، فإن المتابع السني المعتدل سيعمل “لايك” لمنشورك. وهكذا تخسر صفحتهم جمهورها المحايد وتبقى مع المتطرفين فقط، وهذا يقتل وصولها وانتشارها.
“إنهم يقتلون الحسين” كل سنة، مرة بالسيف ومرة بالكيبورد. وسلاحنا اليوم ليس الشتيمة، بل فضح الآلية وتوحيد الرسالة. فالإمام الحسين عليه السلام لم ينتصر يوم عاشوراء بالعدد والعدة، وإنما انتصر بمنطقه حين قال: “هيهات منا الذلة”. وذلتنا اليوم أن ننجر إلى حرب تعليقات تخدم الفاسد. وعزتنا أن نحول عاشوراء من معركة تعليقات إلى ثورة حقيقية ضد الظلم والفساد، وأن نجعل من ذكرى كربلاء درساً للأمة كلها في رفض الباطل، لا سبباً لسب الناس.




