الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ ساعة واحدة
الجمعة - 26 يونيو 2026

طالب الأحمد ||

 

 

 

ذات ليلة ..
في عالم الرؤيا..
كأن روحي حلّقت إلى عالم الملكوت..
كأن الأرض زُلْزِلَتِ زِلْزَالَهَا ..ووجدت نفسي في مشهد يوم القيامة المهيب..
حشود هائلة ..حشرٌ من الناس لا حد له..لا أفق له..
كل إنسان مشغول بنفسه..كل إنسان يفكر بالنجاة ..ينتظر مصيره ولا أحد يساعده سوى عمله وسيرته في الحياة الدنيا.
في تلك الرؤيا..
كنت اقف وسط الحشود مذهولاً.. مرتجفاً من لحظة حساب قادمة..
وفي غمرة حيرتي وارتباكي أبصرت من بعيد رجلاً تحيطه هالة من نور ٍساطع ترتفع به من وسط الجموع..كأن الرجل عرج من حشرنا بالنور الذي يحاكي الورود إلى سماء أخرى..
يا الهي هذا هو الشاعر الحسيني (علي حسين سلومي) ..
تذكّرته في تلك اللحظة المهولة..
كنت طفلاً في سن السادسة حين رأيته لأول مرة في ناحية (الزبيدية) في ليلة العاشر من شهر محرم الحرام..
كنت ليلتها اقف مع بقية الناس في شارع الزبيدية الرئيسي مرتديا ثوباً صبغته أمي (رحمها الله تعالى) باللون الأسود قبل حلول شهر محرم لكي أواسي فاطمة الزهراء كما كانت تقول..ولم تكن رحمها الله تملك نقوداً لشراء ثوبٍ جديد لي.
آنذاك..كنت اتطلّع الى شاعر المراثي بدهشة الطفولة..
كان يتوسط موكب شباب الزبيدية..
يقرأ بصوتٍ شجيّ ابياتاً من الشعر تصوّر حال الأمام الحسين عليه السلام وحيداً في رمضاء كربلاء وقد تكالبت عليه السيوف حتى ترجّل من جواده بعد أن اثخنته الجراح..
أثار الشاعر (علي سلومي) أشجاني ودموعي بصوته العذب الحزين..
(هل من ناصرٍ ينصرني ؟ )..
كنت يومها أسمع النداء وأبصر الإمام الحسين كأنه أمامي واقعاً وليس خيالاً..
تذكّرت ليلة عاشور تلك في طفولتي فيما أنا (في عالم الرؤيا) ارقب هالة النور المحيطة بالشاعر (سلومي) في ذاك المحشر..
وسمعت اصواتاً تتعالى : هنيئاً له لقد فاز بشفاعة الإمام الحسين..
شعرت بالندم يلتهم روحي.. يلتهم كياني كله..
أردت أن أفوز مثله..
عضضت أصابع الندم بحرقة..شعرت بالتقصير تجاه الإمام الحسين..كأن كل حبي له في الدنيا لم يكن كافياً..
كأني اكتشفت معنى جديد للحب لم أكن أعرفه في الدنيا..
معنى جديد لحب الحسين هو الذي يعرج بالإنسان إلى الجنان..
ليس بالكلمات..ليس بالمشاعر..ليس بالأمنيات ، بل بالتماهي..بالذوبان..بالتضحية بكل شيء..بكل شيء في سبيل الله تعالى ، تماماً كما استشهد الحسين ..كما كان يقول روحي فداه : الهي..لو قطعوني في حبكَ إرباً إربا لما مال القلب إلى سِواك.
وبكل ما في الروح من رجاء رحت اتوسل في قلبي إلى الله تعالى أن يعيدني إلى الحياة الدنيا مرة أخرى لكي أحب الإمام الحسين أكثر وأُجسّد الحب قولاً وعملاً..
واصلت ابتهالاتي وتوسلاتي ورحت اتحسّر وأبكي بمرارة لأنه لا أمل لي في يوم الحساب بالعودة ثانيةً إلى الحياة الدنيا..
لا أمل لي بمزيد من الوقت ..
إنها لحظة الحقيقة التي اختصرت حياتي كلها..
لا أمل لي بعمر جديد في الدنيا لكي أتقرب إلى الله تعالى بحب الحسين أكثر وأكثر وأكثر ..
واصلت بكائي في مشهد الحشر حتى أشعرني ندى الدموع على الوسادة بأن الأمنية الغالية تحققت..وقد عدت للدنيا حقاً !.
أفقت من الرؤيا..ورحت استرجع ذكريات طفولتي في ناحية الزبيدية حيث تعلمت في سن مبكرة حب الحسين الشهيد بفضل والدتي ووالدي رحمهما الله..وبفضل الشعائر الحسينية التي كانت تشارك فيها الزبيدية عن بكرة أبيها في العام 1969 قبل ان يمنعها نظام حزب البعث بعد ذلك.
أملي أن اتعظ من تلك الرؤيا..
أن أفهم بعمق كيف ومتى يكون حب أهل بيت النبوة عليهم السلام وسيلةً للنجاة في الآخرة..وليت كل من يقرأ كلماتي هذه يدرك كم هي عظيمة منزلة تضحية الإمام الحسين لدى الله تعالى..تلك التضحية التي جعلت دين الإسلام حياً وخالداً إلى يوم القيامة.
نعم نحن مدينون للإمام الحسين ، فلولا تضحيته لأصبح الإسلام شكلاً بلا مضمون.
لقد أراد الطغاة ان يجعلوا الإسلام دين العبيد وأراد الحسين ان يكون الإسلام دين الأحرار..
انهزم الطغاة وانتصر الحسين أبو الأحرار..انتصار الدم على السيف.
ليت كل قاريء يدرك بعمق ماذا يعني حب الحسين ، وكيف يكون الولاء له..وماذا يعني قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم (حسين مني وأنا من حسين)..
وماذا يعني قول الحسين : ألا وإني لا أرى الموت إلّا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلّا برما.
ولماذا كل بكاءٍ مكروه إلّا البكاء على الحسين ريحانة الرسول وسيد أهل الجنة ومُنقذ الرسالة ؟.
السلام على الإمام الحسين..
السلام على أولاد الإمام الحسين..
السلام على أصحاب الإمام الحسين ..
السلام على بطلة كربلاء زينب بنت علي قدوة النساء المسلمات..
السلام على شهداء الطف وعلى كل من سار على نهج الحسين..سلام سرمدي ما بقيت وما بقيّ الليل والنهار..
اللهم اسألك ، مخلصا وصادقاً ، أن تجعلني وسائر المؤمنين والمسلمين مع الإمام الحسين وأنصاره في الدنيا والآخرة إنك أنت السميع المجيب.
اوردت الرؤيا بكل صدق..وادعو كل مسلم الى أن يعلّم ابناءه حب الحسين والتأسي ببطولته الفذة وسيرته الهادية منذ سن الطفولة .
كونوا جميعا من أحباب الحسين ففي ذلك فخركم وعزكم ونجاتكم..
ختاماً أسألكم الدعاء والصلاة على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.