الأربعاء - 24 يونيو 2026
منذ 4 ساعات
الأربعاء - 24 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

Screenshot

 

 

ليست أزمة العراق في غياب النصوص الدستورية التي تكفل حُرية التعبير ، بل في الفجوة الواسعة بين النص بوصفه مبدأً ، والتطبيق بوصفه ممارسةً يومية ، فالدولة التي تُعلن تمسكها بالديمقراطية ، لكنها ترتبك أمام الرأي الواضح أو المختلف ، تبدو وكأنها ما تزال تنظر إلى النقد بعين الريبة لا بعين المُراجعة والتقييم والإصلاح ، وهنا تتجلى المُشكلة الحقيقية ، إذ يتحول الحديث عن الحريات إلى شعار سياسي أكثر من كونه ثقافة دولة ومُؤسسات .

في الأنظمة المستقرة يُنظر إلى النقد بأعتباره وسيلة تصحيح مُبكر تكشف الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة .

أما في البيئات السياسية القلقة ، فإن الكلمة غالباً ما تُفسر بأعتبارها تهديداً للهيبة أو أنتقاصاً من السُلطة وأستهدافاً لها ، فتبدأ مساحات التعبير بالانكماش تدريجياً تحت عناوين تنظيم الخطاب العام أو حماية الدولة ، ومع الوقت تتشكل بيئة سياسية تخشى فيها النُخب الحاكمة من الرأي أكثر مما تخشى من تراكم الفساد أو ضعف الإدارة أو تراجع ثقة المواطن بالمُؤسسات .

وفي العراق ، لا يوجد نص قانوني صريح يمنع المواطن أو الموظف من إبداء رأيه ضمن الأُطر القانونية ، لكن الإشكالية تظهر في التفسيرات المُتشددة لبعض المواد المُتعلقة بهيبة الدولة أو الانضباط الوظيفي ، ما يجعل الحدود بين النقد المهني والإساءة الشخصية حدوداً ضبابية أحياناً ، وقد خلقت هذه المساحة الرمادية حالة من الحذر والخوف لدى كثير من الكُتاب والموظفين والإعلاميين على حد سواء ليس لأن القانون يُجرم الرأي بحد ذاته ، بل لأن آليات تطبيقه قد تخضع أحياناً لأجتهادات سياسية أو إدارية مُتباينة .

إن حساسية بعض القوى السياسية والمُؤسسات الحكومية أتجاه الرأي المُخالف لا تعكس قوة النظام بقدر ما تكشف حجم القلق داخل البُنية السياسية نفسها ، فالسلطة الواثقة من مشروعها لا تخشى المقال ولا تنزعج من النقد المسؤول لأنها تدرك أن الرأي الحُر يُمثل صمام أمان لمنظومة الدولة وللحكومة وللطبقة السياسية في النصح والتقويم ، لا تهديداً لهما .؟
أما حين تُعامل الكلمة بوصفها عبئاً أمنياً أو سياسياً ، فإن ذلك يعني أن العلاقة بين المُواطن والسُلطة ما تزال محكومة بعُقدة الشك لا بمنطق الشراكة الوطنية .

والأخطر من أرتفاع سقف النقد ليس كُثرة الأصوات ، بل صمت المجتمع ، فعندما يشعر المُواطن أن رأيه قد يُفسر بوصفه خصومة أو تجاوزاً ، تتسع الفجوة بين الحكومة والناس ، وتتراكم الأخطاء بعيداً عن أي مُراجعة حقيقية أو تصحيح جاد للمسار ، لذلك فإن الدول التي تُحقق الاستقرار على المدى الطويل ليست تلك التي تُجيد إسكات الأصوات ، بل تلك التي تمتلك القُدرة على أستيعاب النقد وفهم أسبابه ، وتحويله إلى فُرصة للإصلاح ومُعالجة الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة أكبر .

أخيراً وليس آخراً .. اليوم تقف النخب السياسية ومُؤسسات الدولة أمام فرصة حقيقية لتعزيز الثقة مع المواطنين عبر ترسيخ مفهوم الدولة الواثقة التي لا ترتبك من الرأي المُختلف ، بل تستفيد منه في تصحيح المسار وتقويم الأداء . فهيبة الدولة لا تُبنى بالخوف من الكلمة ، وإنما ببناء مُؤسسات مبنية على العدالة ، وتطبيق قانون متوازن ، وتوفير مساحة آمنة للنقد المسؤول والإعلام المهني ، فالدول القوية ليست تلك التي تُجيد إسكات الأصوات ، بل تلك التي تجعل مواطنيها يشعرون بأن أصواتهم جُزء من حماية الوطن والمساهمة في إصلاحه وبنائه …!