الأربعاء - 24 يونيو 2026

كيف ننظر إلى نهضة الحسين (ع) من منظار الوحدة الإسلامية؟!

منذ 3 ساعات
الأربعاء - 24 يونيو 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

🚩نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم

✋ “اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”

كيف ننظر إلى نهضة الحسين (ع) من منظار الوحدة الإسلامية؟

ظهذا السؤال مهم للغاية، لأن النهضة الحسينية في جوهرها ليست مشروع انقسام في الأمة، ولا مشروع تفريق بين أبنائها ومذاهبها، ولا دعوة للصراع فيما بينهم، بل هي مشروع إحياء للإسلام ومعيار أخلاقي وديني يجب أن يلتقي عليه المسلمون جميعًا، في حبِّ النبي وآله الأطهار، وفي تعظيم قيمة الإصلاح، وإنكار المنكر، ورفض الظلم والجور، وحفظ الدين، وإحياء الأمة، والدفاع عن كرامة الإنسان.

ومن هنا يجب علينا أن نقرأ النهضة الحسينية قراءة وحدوية لا تُجرّدها من خصوصيتها العقائدية في الفكر الإمامي، بل تعمل على إبراز بعدها الإسلامي العام، بحيث تكون جسرًا للتواصل بين أبناء الأمة على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم الفكرية، وسبيلًا إلى تلاقيهم على القيم الإلهية السامية، مما يحملهم على الاعتصام بحبل الله، والاستمساك بعروته الوثقى، ويجنِّبهم التنازع والتخاصم والتفرقة.

ونحن عندما نقرأ نهضة الحسين قراءة وحدوية، فإننا نروم من ذلك طاعة الله في دعوته لنا إلى الوحدة الإسلامية حيث قال: إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿الأنبياء: 92﴾.

الوحدة الإسلامية لا تعني إلغاء المذاهب الإسلامية، ولا تعني إلغاء خصوصياتها العقائدية والفكرية والفقهية، ولا تعني أن تذوب المذاهب في مذهب واحد، ولا تعني إنكارًا للاختلاف، بل تعني حُسن إدارة ما يختلفون عليه، فعلى الرغم من اختلاف مذاهبهم الكلامية ومدارسهم الفقهية وقراءتهم للأحداث التاريخية، فإنهم يشتركون في أصول الإسلام الكبرى، من الإيمان بالله واحدًا، أحدًا، فردًا، صمدًا،

والإيمان بنبوة النبي محمد (ص)، والأنبياء السابقين عليه، والإيمان بالمَعاد، والقرآن، والقِبلة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومبدأ الأُخُوَّة الإيمانية، وحرمة دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، وكرامتهم، وحِفظ مقدساتهم، وضرورة العدل، ومقاومة الظلم والطغيان والاستكبار،

فإذا فهمنا الوحدة الإسلامية بهذه الصورة، صار من الممكن أن ننظر إلى الحسين (ع) بوصفه رمزًا إسلاميًا جامعًا، لا يُلغي التمايز بين المذاهب الإسلامية، بل يعلو فوقها بوصفه سبط رسول الله (ص) وسيّد شباب أهل الجَنَّة، وإمامته امتدادٌ لنبوته، والحامل لقيَمه، والحافظ لرسالته، ولأنه رمز للإصلاح، والعدل، والكرامة، وهذه المعاني لا يحتكرها مذهب بعينه، لأنها موجودة في القرآن والسنة، ولذلك فإن الحسين (ع) يمكن أن يكون محورًا للوحدة حين يُقدَّم بوصفه رمزًا لقيم الإسلام الكبرى، لا بوصفه عنوانًا للخصومة المذهبية.

في مقالة سابقة قلت: إن الحسين (ع) ليس حكرًا لأحد، بل هو ابن الإسلام، الإسلام الذي تجسَّد في شخص جده رسول الله (ص) قولًا، وفعلًا، وتقريرًا، ناهيك عن أنه سِبطه الأحبُ إلى قلبه الشريف، وهو وإن كان من منظور العقيدة الإيمانية إمامًا منصوبًا من الله تعالى، وطاعته واجبة، وهذه حقيقة عقدية لا يملك الشيعي أن يتنازل عنها، لكن هذه الحقيقة لا تعني أن الحسين محصورٌ في إطار طائفي ضيق.

فالحسين (ع) لم ينهض نهضته طلبًا للفُرقة، ولا من أجل صراعٍ عشائري، أو مذهبي، ولا لتأسيس جبهةٍ ضد المسلمين، بل خرج لمواجهة الانحراف الديني والسياسي والأخلاقي الذي كاد أن يطبع صورة الإسلام بطابع السلطة الجائرة.

لقد كانت المشكلة في زمن الحسين (ع) أن الحكم الأموي بدأ بتشويه القيم الإسلامية، واستثمر الدين لتبرير الظلم والطغيان، وهنا جاءت نهضة الحسين (ع) لتقول للأمة: إن معيار الإسلام ليس القوة، ولا الدولة، ولا الغلبة، ولا كثرة الأتباع، بل الحق والعدل والوفاء بالعهد.

وعندما نفهم هذا المعنى، ندرك أن نهضة الحسين (ع) ليست حدثًا يورث العداوات بين المسلمين، بل حدثًا يكشف الخطر الذي يهدد الجميع إذا أصبحت القيم خاضعة للمصالح السياسية.

ومن هنا فإن من أكبر الأخطاء أن نجعل من مجالس عزاء الحسين (ع) أداة للتعبئة السلبية ضد المذاهب الأخرى، لأن ذلك خطر على الوحدة الإسلامية إذ يُغذِّي الشقاق ويعمِّق سوء الفهم، وخطر على نهضة الحسين ذاتها لأنه يقزِّمها ويحصرها في حدود لا ترضاها.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الأربعاء الواقع في: 24/6/2026 الساعة (04:07)