الثلاثاء - 23 يونيو 2026

مذكرة تفاهم جنيف هدنة مؤقتة أم ولادة شرق أوسط جديد؟!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

 

 

 

لم يكن الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الأمريكان و الإيرانيون في جنيف حدثاً عادياً في سياق العلاقات المتوترة بين البلدين، بل جاء بعد أسابيع من التصعيد العسكري والسياسي الذي دفع المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة كان من الممكن أن تعيد رسم خرائط النفوذ وتدخل الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من عدم الإستقرار؛ ولهذا ينظر كثير من المراقبين إلى إتفاق جنيف بوصفه أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار أو تفاهم مؤقت، بل محطة مفصلية قد تحدد شكل التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.

في الظاهر، تبدو بنود مذكرة التفاهم محاولة متبادلة لإحتواء الأزمة ومنع إنزلاقها نحو حرب مفتوحة لا يرغب بها الطرفان، فالولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة طويلة مع إيران ستؤثر على الإقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وستستنزف مواردها في وقت تواجه فيه تحديات دولية متزايدة؛ وفي المقابل، تدرك إيران أن إستمرار المواجهة العسكرية والعقوبات الإقتصادية يفرض أعباءً ثقيلة على الداخل الإيراني ويحد من قدرتها على المناورة الإقليمية.

ما وراء الإتفاق قد يكون أكثر أهمية من بنوده المعلنة، فواشنطن لا تبحث فقط عن تجميد الأزمة النووية، بل تسعى إلى بناء منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط تقلل من إحتمالات الصِدام المباشر وتحافظ على تدفق الطاقة والتجارة العالمية، أما طهران فتسعى إلى إنتزاع إعتراف عملي بدورها الإقليمي والحصول على تخفيف للعقوبات يسمح لها بإستعادة جزء من قدراتها الإقتصادية.

من هنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام هدنة مؤقتة أم بداية لتحول إستراتيجي طويل الأمد؟ الواقع أن الإجابة تعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، وآليات الرقابة الدولية، ومستقبل العقوبات الإقتصادية، فضلاً عن ملفات النفوذ الإقليمي الممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ فهذه القضايا لم تُحسم بعد، وما جرى في جنيف يبدو أقرب إلى وضع إطار عام للتفاوض منها إلى إتفاق نهائي شامل.

العراق، يقف في قلب المعادلة الجديدة؛ فمنذ سنوات كان العراق الساحة الأكثر تأثراً بالتجاذب الأمريكي الإيراني، وتحول في أكثر من مناسبة إلى مسرح للرسائل المتبادلة بين الطرفين، وإذا نجح إتفاق جنيف في تثبيت التهدئة، فإن بغداد ستكون من أكبر المستفيدين، لأنها ستجد فرصة أكبر للتركيز على ملفات التنمية والخدمات والإصلاح الإقتصادي بعيداً عن ضغوط الصراع الإقليمي.

كذلك قد تمنح بنود مذكرة التفاهم الحكومة العراقية مساحة أوسع للمضي في مشاريع حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز الإستقرار الداخلي، خاصة إذا ترافق مع تراجع مستوى التوتر بين واشنطن وطهران؛ فكلما إنخفض منسوب الصراع الخارجي، إزدادت قدرة الدولة العراقية على معالجة ملفاتها الداخلية بعيداً عن تأثيرات الإستقطاب الإقليمي؛ مع ذلك لا تزال هناك عوامل كثيرة قد تعرقل مسار التفاهم؛ فهناك أطراف إقليمية ودولية تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب أمريكي إيراني، كما أن حجم إنعدام الثِقة المتراكم بين واشنطن وطهران يجعل أي خلاف تفصيلي قادراً على إعادة الأمور إلى نقطة الصفر، ولهذا فإن نجاح الإتفاق خلال مدة الستين يوماً لن يقاس بما تم التوقيع عليه في جنيف، بل بما سيتحقق خلال الأشهر المقبلة من إلتزامات وإجراءات عملية على الأرض.

في النهاية، قد لا يكون إتفاق جنيف نهاية الصراع الأمريكي الإيراني، لكنه بالتأكيد يمثل بداية مرحلة جديدة من إدارة هذا الصراع، وبين من يراه هدنة مؤقتة ومن يعتبره مقدمة لشرق أوسط مختلف، تبقى الحقيقة أن المنطقة دخلت مرحلة إختبار سياسي وإستراتيجي ستكون نتائجها مؤثرة على مستقبل الأمن والإستقرار الإقليمي لسنوات طويلة قادمة.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢٣ حزيران ٢٠٢٦