هل يتفكك الإطار التنسيقي.. وهل تولد نظرية سياسية جديدة؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

الولايات المتحدة تعمدت تشكيل النظام السياسي العراقي على أساس معادلة المكونات، حيث جرى توزيع السلطة وفق توازنات مذهبية وقومية أكثر من إعتمادها على البرامج السياسية أو الرؤى الوطنية الجامعة؛ وعلى مدى أكثر من عقدين أصبحت “المكوناتية” ليست مجرد آلية لتقاسم السلطة، بل فلسفة حكم كاملة أنتجت تحالفات وصراعات ومؤسسات ودورات إنتخابية متعاقبة، لكن المشهد العراقي اليوم يبدو مختلفاً عما كان عليه قبل سنوات فالتصدعات التي تظهر داخل القوى التقليدية، ولا سيما داخل الإطار التنسيقي، تثير تساؤلات جدية حول مستقبل النظام السياسي القائم، وما إذا كانت البلاد تقف أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى.
نجح الإطار التنسيقي خلال السنوات الماضية في أن يكون المظلة الأكبر للقوى الشيعية الحاكمة، مستفيداً من إنسحاب بعض المنافسين ومن حاجة القوى المختلفة إلى الحفاظ على وحدة الموقف داخل البيت السياسي الشيعي؛ إلا أن وجود الخصوم تحت سقف واحد لا يعني بالضرورة وجود مشروع واحد فمع إقتراب كل إستحقاق إنتخابي أو حكومي تعود الخلافات إلى الواجهة بشأن إدارة الدولة وتوزيع النفوذ والموارد والعلاقة مع الخارج وشكل النظام السياسي نفسه.
اليوم تبدو الخلافات أكثر عمقاً من السابق، لأنها لم تعد تدور فقط حول المناصب، بل حول مستقبل الدولة العراقية وإتجاهها الإقتصادي والسياسي والإداري، المشكلة الأساسية التي تواجه المكوناتية أنها نجحت في منع هيمنة طرف واحد، لكنها فشلت في بناء دولة قوية ومؤسسات مستقرة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين، فالأجيال الجديدة لم تعد تنظر إلى نفسها بالمنظار ذاته الذي حكم مرحلة ما بعد 2003 فالشاب العراقي الذي يبحث عن فرصة عمل أو خدمات أو سكن لا يعنيه كثيراً أي مكون يحكم بقدر ما يعنيه أداء الدولة ونجاحها؛ ولهذا بدأت تتراجع تدريجياً لغة حقوق المكونات لصالح لغة كفاءة الإدارة و”الخدمات” و”الإصلاح الإقتصادي” ومحاربة الفساد.
ما يلوح في الأفق ليس إلغاء المكونات الإجتماعية الموجودة في العراق، فهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها، وإنما الإنتقال من دولة المكونات إلى دولة الوظائف؛ أي أن معيار الشرعية السياسية قد يتحول تدريجياً من تمثيل المكون إلى القدرة على الإنجاز، في هذه الحالة ستصبح الأحزاب مطالبة بإقناع الناخب ببرامج إقتصادية وخدمية وتنموية بدلاً من الإكتفاء بالخطاب الهوياتي التقليدي، وهذه النظرية الجديدة بدأت تظهر ملامحها في النقاشات الدائرة حول اللامركزية، والإصلاح الإداري، والتنمية الإقتصادية، ودور القطاع الخاص، ومستقبل العلاقة بين المركز والمحافظات.
الإنتخابات المقبلة قد تكون إختباراً حقيقياً لهذه التحولات؛ فإذا بقي التصويت محكوماً بالهويات التقليدية فإن المكوناتية ستستمر بصيغتها الحالية مع بعض التعديلات الشكلية، أما إذا ظهرت قوى عابرة للهويات التقليدية وحققت حضوراً مؤثراً، فإن العراق قد يدخل مرحلة سياسية جديدة يكون عنوانها التنافس على إدارة الدولة لا على تمثيل المكونات.
هل سيتفكك الإطار فعلاً..؟الحديث عن إنهيار وشيك للإطار التنسيقي يبدو مُبالغاً فيه، لأن القوى المكونة له ما زالت تمتلك مصالح مشتركة كبيرة تدفعها للحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، لكن ما يمكن قوله إن الإطار يمر بمرحلة إعادة تعريف لنفسه، فالسؤال لم يعد: من يقود البيت السياسي الشيعي؟ بل أصبح: ما هو المشروع الذي يمكن أن يحافظ على نفوذ هذا البيت في ظل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية؟ وهنا تكمن المعضلة الحقيقية.
العراق لا يشهد فقط خلافات سياسية بين قوى متنافسة، بل يعيش مخاضاً فكرياً يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، فبعد أكثر من عشرين عاماً من هيمنة المكوناتية، بدأت تظهر مؤشرات على ولادة مقاربة جديدة تقوم على الأداء والكفاءة والتنمية والهوية الوطنية الأوسع.
قد لا يحدث هذا التحول دفعة واحدة، وقد تستمر المكوناتية لسنوات أخرى، لكن المؤكد أن الأسئلة التي كانت محرمة بالأمس أصبحت مطروحة اليوم بقوة: هل تُبنى الدولة على أساس المكون أم على أساس المواطن؟ وهل يبقى النفوذ السياسي نتاج الهوية أم يصبح نتاج القدرة على الإنجاز؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد شكل العراق في العقد القادم، وربما تحدد أيضاً مصير التحالفات الكبرى التي حكمت البلاد منذ عام 2003.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع
٢١ حزيران ٢٠٢٦




