الخميس - 18 يونيو 2026
منذ 8 ساعات
الخميس - 18 يونيو 2026

قاسم الغراوي ||

 

 

منذ إعلان التفاهم الأميركي–الإيراني الأخير انقسمت التحليلات بين من اعتبره انتصاراً للدبلوماسية الأميركية ومن رآه نجاحاً إيرانياً في تجاوز أخطر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
غير أن القراءة المتأنية لبنود الاتفاق والنتائج المترتبة عليه تشير إلى أن السؤال هو : من حقق أهدافه التي أعلنها قبل الحرب ؟

دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي ترفع سقف الأهداف إلى مستويات غير مسبوقة؛ فقد تحدثت عن إنهاء الخطر النووي الإيراني، وكبح البرنامج الصاروخي، وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران، وفرض معادلات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. لكن الاتفاق الذي خرج إلى العلن لا يقدم دليلاً واضحاً على تحقق هذه الأهداف بصورة كاملة، بل يؤجل معظم القضايا الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة ويكتفي بترتيبات انتقالية ووقف للتصعيد.

أما إيران فقد دخلت الحرب وهي تسعى إلى هدف أكثر تواضعاً وواقعية وهو الحفاظ على النظام السياسي، ومنع فرض الاستسلام عليها، ورفع جزء من الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
وعند النظر إلى النتائج، نجد أن الدولة الإيرانية بقيت قائمة، ولم يحدث تغيير سياسي داخلي، كما أن الاتفاق فتح الباب أمام تخفيف الضغوط والعقوبات وإعادة إدماج الاقتصاد الإيراني تدريجياً في الأسواق الدولية.

لهذا السبب يصعب اعتبار ما جرى انتصاراً أميركياً حاسماً. فالانتصار الحقيقي في الحروب لا يقاس بحجم القوة المستخدمة، بل بمدى تحقيق الأهداف المعلنة.
وإذا كانت واشنطن قد انتقلت من الحديث عن تغيير المعادلات الاستراتيجية إلى الاكتفاء بوقف القتال وإدارة الأزمة، فإن ذلك يعني أن الفجوة بين الأهداف والنتائج ما زالت كبيرة.

لكن في المقابل لا يمكن الحديث عن انتصار إيراني مطلق أيضاً ، فإيران خرجت من المواجهة مثقلة بالأعباء الاقتصادية والعسكرية، وما زالت تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، كما أن مستقبل الاتفاق نفسه لم يُحسم بعد ولا تزال ملفات النووي والعقوبات والعلاقات الإقليمية مفتوحة على احتمالات متعددة.

أن المنتصر الأكبر لم يكن إيران ولا الولايات المتحدة، بل منطق التسوية الذي فرض نفسه بعد أن اكتشف الطرفان أن كلفة الحرب الشاملة أعلى بكثير من كلفة التفاوض.
لقد انتصر السلام على الحرب، لكن السلام نفسه ما زال هشاً ومؤقتاً، فيما يبقى الصراع مؤجلاً أكثر منه منتهياً.

ولذلك إذا كان لا بد من تحديد رابح وخاسر، فإن إيران تبدو أقرب إلى تحقيق أهدافها المباشرة في البقاء وامتصاص الضغوط، بينما تبدو الولايات المتحدة أبعد من تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي رفعتها قبل المواجهة.
أما الحكم النهائي فسيبقى مرهوناً بما ستسفر عنه المفاوضات المقبلة، لا بما تحقق حتى الآن.

تستند هذه القراءة إلى البنود المعلنة للاتفاق المؤقت والتحليلات المنشورة خلال الأيام الأخيرة، والتي تشير إلى أن العديد من الملفات الجوهرية ما زالت مؤجلة ولم تُحسم نهائياً.