مقارنة بين قيادات الجمهورية الاسلامية والقيادات العربية..!
الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

الكاتب المصري سامح عسكر كتب التالي :
سؤال صعب
درسنا في مراحل التعليم المختلفة أن من ضمن صفات الديكتاتور
١- أنه جبان يضحي بشعبه ويهرب هو من التضحية
٢- يسكن القصور بينما يترك شعبه يسكن القبور
٣- لا يتبنى قضية أخلاقية نبيلة ويفضل إنه يمشي جنب الحيط
٤- فاسد وحرامي وغني جدا وأبنائه يعيشون في رفاهية ورخاء
٥- أحيانا مزواج أو يستمتع بالنساء
طيب هل ينطبق على النظام الإيراني تلك الصفات الخمسة؟ علما بأن الوهابية والصهاينة العرب دائما يطلقون تلك الصفات الخمسة عليه.
بعد التحقيق يتبين ما يلي:
١- رؤوس النظام ضحوا بأنفسهم ولم يكونوا جبناء بل سجلوا شهداء شجعان
٢- بيوت قيادات الدولة متواضعة للغاية وبالكاد تتضمن سبل المعيشة الأساسية .
٣- يتبنون أعظم قضية أخلاقية نبيلة الآن في العالم وهي قضية فلسطين وتحدوا العالم كله من أجلها.
٤- لم تسجل ولم تثبت عليهم أي قضية فساد أو رشوة أو سرقة
٥- يتزوجون واحدة فقط وبعيدين تماما عن فساد شهوة البطن والفرج.
السؤال: إذا كانت تلك الصفات الخمسة غير متوافرة في النظام الإيراني فكيف نصفه بالديكتاتور؟ علما بأن اتهامات الوهابية والاسرائيلية تنطبق أكثر على زعمائهم، ويمكن القول أن جميع أو أغلب تلك الصفات متوفرة في قيادتهم.
تختلف قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن غالبية القيادات العربية في طبيعة الشرعية المؤسسية، والأيديولوجيا الحاكمة، وآليات اتخاذ القرار الاستراتيجي. فبينما تقوم البنية القيادية في إيران على ثنائية “المؤسسة الدينية والعسكرية” ذات البعد العقائدي العابر للحدود، تعتمد أغلب القيادات العربية على شرعيات وطنية، تاريخية، أو عائلية تركز على استقرار الدولة الوطنية بحدودها الجغرافية.
فيما يلي تفكيك معمق لأبرز الفروق الهيكلية والاستراتيجية بين النمطين:
1 – مصادر الشرعية وطبيعة النخبة الحاكمة
القيادة الإيرانية (ثيوقراطية مؤسسية): تستمد القيادة في طهران شرعيتها الأولى من نظرية “ولاية الفقيه”. المرشد الأعلى ليس مجرد حاكم سياسي، بل هو مرجع ديني يمتلك صلاحيات دستورية مطلقة. النخبة الحاكمة تولد من رحم حوزات علمية ومؤسسات عقائدية، مما يمنح القيادة طابعاً مؤسسياً دينياً يتجاوز الأفراد؛ حيث يضمن “مجلس خبراء القيادة” استمرارية السلالة الفقهية للحكم لا السلالة العائلية.
القيادات العربية (براغماتية/وطنية/تقليدية): تتنوع الشرعيات العربية بين شرعية تاريخية (ثورية أو ملكية وراثية) أو شرعية إنجاز واستقرار. النخب الحاكمة غالباً ما تكون تكنوقراطية، عسكرية، أو عائلية. لا ترتبط القيادات العربية بمرجعية أيديولوجية دينية موحدة تدير الدولة، بل تركز على “العقد الاجتماعي” المحلي والمصلحة الوطنية العليا للدولة الوطنية (Westphalian State).
2 – العقيدة الاستراتيجية والمدى الزمني (الصبر الاستراتيجي)
إيران (النفس الطويل والأيديولوجيا العابرة للحدود): تصيغ القيادة الإيرانية استراتيجيتها بناءً على رؤية رسالية تمتد لعقود (تصدير الثورة، مواجهة الاستكبار العالمي). هذا البعد الأيديولوجي يمنحها قدرة عالية على ممارسة ما يُعرف بـ “الصبر الاستراتيجي” والتحمل الاقتصادي والعسكري؛ حيث يُنظر إلى الأزمات الحالية (كالعقوبات) كجزء من معركة تاريخية كبرى، مما يتيح للقيادة بناء شبكات نفوذ إقليمية (أذرع غير دولية) بصبر شديد وعلى مدى زمني طويل.
القيادات العربية (الواقعية السياسية والأمن القومي المباشر): تتحرك القيادات العربية بموجب “الواقعية السياسية” (Realpolitik)، حيث الأولوية القصوى هي الحفاظ على الأمن القومي المباشر، الاستقرار الداخلي، والرفاه الاقتصادي. القرارات الاستراتيجية العربية غالباً ما تكون استجابة لتحديات آنية أو متوسطة المدى، وتميل إلى تجنب المغامرات الأيديولوجية عابرة الحدود لحساب تنمية الدولة وبناء تحالفات دولية متوازنة.
3 – آليات صنع القرار وإدارة الأزمات
في إيران (مراكز قوى متعددة تحت مظلة واحدة): صنع القرار في إيران ليس حكراً على شخص واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد (وأحياناً صراع مكتوم) بين مراكز قوى متعددة: (مكتب المرشد، الحرس الثوري، الحكومة البرلمانية، ومجلس الأمن القومي الأعلى). هذا التعدد الهيكلي يمنح النظام مرونة في توزيع الأدوار (تبادل أدوار الدبلوماسية الناعمة والخشنة) دون أن يهتز رأس الهرم.
في العالم العربي (مركزي وحاسم): يميل صنع القرار في معظم الدول العربية إلى المركزية الشديدة، حيث يتركز القرار الاستراتيجي (السياسي، العسكري، والاقتصادي) في يد رئيس الدولة أو الدائرة الضيقة المحيطة به. هذا النمط يوفر سرعة وحسم في اتخاذ القرارات وإحداث تحولات سياسية واقتصادية كبرى وجريئة (مثل الرؤى الاقتصادية التنموية الحديثة)، لكنه يجعل السياسة الخارجية أكثر تأثراً بتغير الأشخاص.
4 – أدوات النفوذ الإقليمي والدولي
وجه المقارنة…. قيادة الجمهورية الإسلامية(1) ، القيادات العربية الإقليمية (2 )
أ -الذراع العسكري
1 – الاعتماد على الحروب غير المتناظرة (الوكلاء والأذرع العقائدية).
2 – الاعتماد على الجيوش النظامية والاتفاقيات الأمنية المشتركة.
ب – القوة الناعمة
1 – التعبئة المذهبية، واستثمار مظلومية الشعوب، وشعارات المقاومة.
2 – الدبلوماسية الإنسانية، الاستثمارات الاقتصادية الضخمة، والوساطات السياسية.
ج – العلاقة مع الغرب
1 – ندية مبنية على الصدام المستمر، التفاوض من موقع القوة الإقليمية.
2 – تحالفات استراتيجية وشراكات اقتصادية وأمنية متبادلة لحفظ الاستقرار.
اي يمكننا من الفرق الجوهري يكمن في أن القيادة الإيرانية تحكم بعقلية “المشروع الثوري العقائدي المؤسسي” الذي يرى الدولة مجرد أداة لخدمة الفكرة، بينما تحكم القيادات العربية بعقلية “الدولة الوطنية الواقعية” التي ترى في حفظ كيان الدولة واستقرارها ومصالح شعبها الغاية الأسمى والوحيدة للسياسة.
وعند تفكيك المقارنة بين قيادات الجمهورية الإسلامية الإيرانية والقيادات العربية من زاوية البساطة والنزاهة (أو الزهد ونظافة اليد)، نجد أننا أمام تباين جوهري يعود إلى طبيعة العقيدة الحاكمة وفلسفة السلطة لدى كل طرف، حيث تمتزج في النموذج الإيراني بـ”الزهد الأيديولوجي التعبوي”، بينما ترتبط في النموذج العربي بـ”بروتوكول الدولة والوجاهة السياسية”.
فيما يلي تحليل معمق لهذه الأبعاد:
1 – نموذج “البساطة والزهد” (الأيديولوجيا ضد البروتوكول)
القيادات الإيرانية (الزهد الممنهج والتسويق السياسي):
تفرض الأيديولوجيا الثورية في إيران، المستمدة من أدبيات “المستضعفين”، نمط حياة يميل إلى البساطة الشديدة في المظهر. المرشد الأعلى (علي خامنئي) والعديد من قادة الحرس الثوري يحرصون على الظهور بـنمط حياة تقشفي (بيوت بسيطة، أثاث متواضع، وغياب لمظاهر البذخ الشخصي العابر).
الهدف الاستراتيجي: هذه البساطة ليست مجرد خيار شخصي، بل هي أداة شرعية سياسية قوية جداً داخلياً وخارجياً، تُستخدم لتعزيز الرابط العقائدي مع القواعد الشعبية والميليشيات العابرة للحدود، وإيصال رسالة بأن القائد يعيش كعامة الشعب ويمثل “ثورة الفقراء”.
القيادات العربية (بروتوكول الهيبة والوجاهة):
في المقابل، ترتبط القيادة في معظم العالم العربي (سواء كانت ملكية أو جمهورية) بـمفهوم “هيبة الدولة” والوجاهة السياسية. القصور الفخمة، الموكب الرسمي، والملابس الأنيقة الثمينة تُعتبر جزءاً لا يتجزأ من أدوات الحكم وإبراز قوة الدولة واستقرارها أمام المجتمع الدولي والداخل. البساطة هنا لا تُسوق كزهد تقشفي، بل قد تُفسر سلبياً في بعض الثقافات المحلية على أنها “ضعف في مكانة الدولة”.
2 – مفهوم “النزاهة والفساد” (بين المالي والسياسي)
حين تُطرح مسألة النزاهة، يجب التمييز بين نوعين من الفساد (المالي الشخصي، والمؤسساتي الهيكلي):
في إيران (نزاهة القمة وضبابية المؤسسات):
شخصياً: يُعرف عن رأس الهرم القيادي (المرشد) والجيل الأول من الحرس الثوري تاريخياً ابتعادهم عن الثراء الفاحش الشخصي أو الحسابات البنكية المتضخمة.
هيكلياً: تكمن الإشكالية في الفساد المؤسساتي العابر للرقابة. تمتلك مؤسسات مثل “الحرس الثوري” وإمبراطوريات اقتصادية تابعة للمرشد (مثل مؤسسة “إدراك” أو “ستاد”) مليارات الدولارات التي تدار بعيداً عن ميزانية الدولة الرسمية وبعيداً عن أي رقابة برلمانية، وذلك لتمويل الأنشطة الإقليمية والالتفاف على العقوبات، مما يخلق بيئة خصبة لفساد مالي شبكي وضبابية كاملة في الصرف.
في العالم العربي (مأسسة النزاهة وتحديات الإدارة):
في النظم الحديثة (دول الخليج كمثال): انتقلت القيادات إلى مرحلة “حكومات التكنوقراط” ومحاربة الفساد المالي الإداري عبر مؤسسات رقابية صارمة (مثل هيئات مكافحة الفساد والرؤى الوطنية)، حيث يُنظر إلى النزاهة كمتطلب أساسي لجذب الاستثمار الأجنبي وبناء اقتصاد حديث، مع بقاء ثروات العائلات الحاكمة جزءاً علنياً ومقنناً من هيكل الدولة التاريخي.
في نظم عربية أخرى: عانت قيادات تقليدية من تداخل “الثروة بالسلطة”، حيث تحول المقربون من القيادة السياسية إلى رجال أعمال يحتكرون الأسواق، مما جعل غياب النزاهة المالية سبباً مباشراً في حدوث الاضطرابات السياسية (كما حدث في موجات الربيع العربي).
3 – معيار “نظافة اليد” في إدارة الموارد
وجه المقارنة…قيادة الجمهورية الإسلامية(1 )، القيادات العربية (2)
توجيه الثروة
1 – تُوجَّه الموارد الاقتصادية (رغم شحها بسبب العقوبات) لصالح المشروع العقائدي التوسعي والتسليح العسكري، حتى لو كان ذلك على حساب رفاهية المواطن الإيراني.
2 – النزاهة هنا تُقاس بالولاء للفكرة لا برفاهية الشعب.
تُوجَّه الموارد (في النماذج المستقرة) نحو التنمية الداخلية، البنية التحتية، والرفاه الاقتصادي للمواطن كشرط أساسي لشرعية الحكم والاستقرار الاجتماعي.
الشفافية الدولية
1 – تقبع إيران في ذيل مؤشرات الشفافية الدولية بسبب الاقتصاد الموازي (اقتصاد الظل) الذي يديره الحرس الثوري لإدارة شبكات النفوذ.( وهو قرار سياسي أمريكي صهيوني بأمتياز).
2 – تتفاوت الدول العربية؛ فبينما تقبع دول الأزمات في مستويات متدنية، تصعد دول عربية أخرى (كالخليجية) إلى صدارة المؤشرات العالمية في كفاءة الحوكمة والنزاهة الإدارية.
أي يمكن القول إن قيادة الجمهورية الإسلامية تمارس “نزاهة ذات طابع أيديولوجي تضحوي”، حيث يزهد القائد في المظهر والمال الشخصي لكنه يستهلك موارد الدولة بلا رقابة لخدمة “المشروع الثوري”. بينما تتحرك القيادات العربية بموجب “نزاهة ذات طابع مؤسسي تنموي” (في النماذج الناجحة)، حيث لا يُخفي القائد مظاهر القوة والرفاه، لكنه يربط شرعيته بنزاهة المخرج الاقتصادي ومدى انعكاس الثروة على بناء الدولة ورفاهية المجتمع.
تتميز العقيدة العسكرية لقيادات الجمهورية الإسلامية (خاصة الرعيل الأول وقادة الحرس الثوري) بظاهرة “القيادة من الصفوف الأمامية” والتسابق نحو الشهادة، كأداة شرعية وتعبوية تفصلهم بنيوياً وسلوكياً عن النمط السائد لدى غالبية القيادات العسكرية والسياسية العربية المعاصرة.
فلسفة “القتال في الخطوط الأولى” تتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد أيديولوجية وسياسية تفكك كما يلي:
1 – فلسفة القيادة: “تعال” الإيرانية مقابل “اذهب” العربية
النمط الإيراني (القيادة بالقدوة – Lead by Example):
تتبنى القيادات العسكرية الإيرانية (مثل قاسم سليماني، وحسين همداني، وأحمد كاظمي) أدبيات تعبوية تُعرف بـ”إدارة الميدان المباشر”. لا يجلس القائد في غرف عمليات محصنة خلف خطوط النار بمسافات آمنة، بل يتواجد في خنادق المواجهة الأولى.
الرسالة التعبوية: القائد هنا يقول لجنوده “تعالوا” (أي أنا في المقدمة واتبعوني) بدلاً من “اذهبوا” (إصدار الأوامر من الخلف). هذا التواجد يلغي الفجوة الطبقية والنفسية بين الجندي والجنرال، ويحول القائد إلى رمز مقدّس يسهل الانصياع لأوامره.
النمط العربي (مأسسة القيادة والتراتبية الصارمة):
تعتمد الجيوش والمؤسسات العسكرية العربية على المفهوم الكلاسيكي الغربي للقيادة؛ حيث يُنظر إلى “الجنرال” أو القائد السياسي كـأصل استراتيجي وثروة قومية يجب حمايتها وعدم المخاطرة بها في الخطوط الأمامية.
الفلسفة الحاكمة: إدارة المعارك تتم عبر تراتبية هرمية (من غرف العمليات والسيطرة والاتصالات)، بهدف الحفاظ على استمرارية القيادة والسيطرة (Command and Control). النزول للصف الأول يُفسر في هذا الفكر على أنه سوء إدارة للمخاطر وتفريط بـ”عقل” المعركة لصالح “عضلاتها”.
2 – سيكولوجية الشهادة” وثقافة التنافس ”
في المنظور الإيراني (الموت كأسمى غاية سياسية):
تستند القيادة الإيرانية إلى إرث كربلاء وعقيدة المظلومية والاستشهاد، حيث يُنظر إلى الموت في سبيل المشروع على أنه “انتصار مطلق وتوفيق إلهي” وليس خسارة عسكرية.
أ – التسابق نحو الشهادة: يصبح غياب الخوف من الموت وسيلة لإثبات النزاهة الأخلاقية والزهد في الدنيا. القائد الذي يستشهد في الصف الأول يمنح النظام “شرعية دم” لا تُقهر، ويتحول إلى وقود أيديولوجي لتجنيد آلاف الشباب (كما حدث في ميثولوجيا قاسم سليماني بعد اغتياله).
في المنظور العربي (الشهادة كواجب والدولة كغاية):
رغم أن عقيدة الجندي العربي تقيم وزناً هائلاً للشهادة والدفاع عن الوطن، إلا أن المنظور القيادي العربي يربط العمل العسكري بـالحسابات الردعية والنصر المادي (حفظ الأرض وبقاء الدولة).
ب – فلسفة المواجهة: الموت في الخطوط الأمامية بالنسبة للقيادات العليا لا يُطلب لذاته ولا يُسعى إليه كتنافس، بل يُعتبر تضحية حتمية إذا فرضت الظروف ذلك (مثل سيرة الفريق أول عبد المنعم رياض). الأصل في العقيدة العربية هو “الانتصار والعيش لحماية مكتسبات الوطن”، والتركيز على الكفاءة القتالية وحفظ الأرواح.
3 – الانعكاسات على الميدان والشرعية الحاكمة
وجه المقارنة…. قيادات المحور الإيراني(1) ، القيادات العسكرية العربية (2)
أ – التأثير على المعنويات
1 – تواجد القادة في الصف الأول يمنح المقاتلين (خاصة الميليشيات غير النظامية) اندفاعاً انتحارياً وقدرة على الصمود في الحروب غير المتناظرة.
2 – الاعتماد على الانضباط العسكري، الخطط التكتيكية، التفوق الناري، والولاء للمؤسسة العسكرية والدولة الوطنية.
ب – – كلفة غياب القائد
أ – يتسبب اندفاع القادة نحو الخطوط الأولى في خسائر بشرية نوعية وهائلة في صفوف القيادات العليا (اغتيال أو استشهاد صف أول وثانٍ بالكامل في أوقات وجيزة).
ب- حماية صف القيادة يضمن استقرار اتخاذ القرار، ويمنع انهيار الروح المعنوية للقوات المسلحة في حال سقوط رأس الهرم.
ج – صناعة الرمزية
أ – تتحول دماء القادة إلى “أيقونات عابرة للحدود” تُستثمر سياسياً لعقود لشرعنة النفوذ الإقليمي.
ب – ترتبط الرمزية بالإنجاز الاستراتيجي، التنمية، النصر العسكري الشامل، أو الحفاظ على وحدة تراب الوطن.
وفي الختام يمكننا القول إن تسابق القيادة الإيرانية نحو الصفوف الأمامية وعدم الاختباء ينبع من كونها قيادة “ثورية عقائدية” ترى في الموت امتداداً للمشروع وأداة لخلود الفكرة، في حين تتحرك القيادات العربية بموجب عقلية “جيوش الدول النظامية المستقرة” التي ترى في الحفاظ على حياة القادة التزاماً تكتيكياً لضمان إدارة الدولة وحماية أمنها القومي بنجاح.
لم تُسجّل قضايا فساد مالي شخصي على رأس الهرم القيادي في إيران لكونهم يعتمدون عقيدة “الزهد الأيديولوجي” كأداة شرعية، ولأمجال لبنية الفساد هناك لانها مُمأسسة داخل “اقتصاد الظل” السيادي حيث لا وجود للحسابات الشخصية. في المقابل، تظهر قضايا الفساد لدى بعض القيادات العربية نتيجة تداخل الثروة الشخصية بالسلطة وغياب الفصل بين الملكية الخاصة والمال العام.
ويمكن تفصيل هذه المفارقة من خلال النقاط الهيكلية التالية:
1 – طبيعة الفساد (مؤسساتي ضد شخصي): النزاهة الشخصية لقادة إيران (كالمرشد) في المظهر والملبس لا تعني غياب الفساد بمطلق لانها قليلة جداً، بل تعني تحوره؛ فالأموال الضخمة تدار عبر مؤسسات عقائدية موازية وخارج الميزانية (مثل الحرس الثوري ومؤسسة “ستاد”) لتمويل النفوذ الإقليمي والالتفاف على العقوبات، مما يجعله “فساداً بنيوياً لخدمة المشروع” لا لخدمة الرفاه الشخصي. ( وهذا من وجهة نظر أعداء الثورة الاسلامية ).
2 – الحوكمة والرقابة في المنظومة العربية: في النظم العربية التي عانت من قضايا فساد، كان الثراء الفاحش للمسؤولين وعائلاتهم يظهر بشكل علني عبر العقارات والشركات الاحتكارية، مما جعل رصده وتوثيقه سهلاً داخلياً ودولياً.
3 – الشرعية التعبوية مقابل شرعية الإنجاز: تحتاج القيادة الإيرانية للحفاظ على صورتها التقشفية “كنصير للمستضعفين” لتضمن ولاء حواضنها العقائدية، بينما ترتكز شرعية القيادات العربية (في النماذج المستقرة والحديثة كدول الخليج) على “شرعية الإنجاز والتنمية والمأسسة”؛ حيث يتم محاربة الفساد المالي إدارياً عبر هيئات نزاهة لضمان جاذبية الاقتصاد والاستثمار، مع بقاء ثروات العائلات الحاكمة مقننة ومعلنة تاريخياً.




