المواكب الحسينية بين التبذير والتغذية الثورية..!
د. محمد هاشم البطاط ||

ونحن على أعتاب شهر محرم الحرام لعامٍ هجريٍ جديد، سنكون مرة أخرى أمام إعادة ترجيع وترديد مكرر لشبهة قديمة-جديدة تتموضع في محاولة تشويه المواكب الحسينية من قبل الذين تعوّدنا أن لا يعجبهم أي شيء، خصوصاً اذا كان متعلق الشيء هذا على وصال بالدين وقضاياه،
أو على علاقة بأهل البيت (عليهم السلام) ومأساتهم، ومن أبرز تمظهرات هذه الشبهة هو الإشارة الى ظاهرة التبذير المادي المتمثلة في المبالغ المالية التي ينفقها أصحاب المواكب الحسينية، والمتبرعون لهم، ويرى المشككون بأمكانية الاستفادة من هذه الأموال في منافع اجتماعية اخرى، أو في خدمات مؤسساتية متنوعة،
ولأني على قناعة تامة بأن هذه الشبهة لا تقوم على أساس فكري سليم يبحث عن الحقيقة، أو عن رغبة وجدانية صادقة صادرة عمّن يبحث عن حلول لأزمات المجتمع العراقي المتكثرة، لذا لا أرى في نفسي حاجة دافعة الى تفنيد أركان هذه الشبهة ولوازمها من كل الجوانب والجهات.
إذ يكفي بالنسبة لي في التشكيك في نوايا هؤلاء المشككين هو أنهم يلتزمون الصمت إتجاه الفساد المالي المتغوّل في الدولة العراقية، ولا نراهم يتكلمون عن الاسراف والتبذير في نفقات الدولة العراقية التي تجترحها الأزمات والمشاكل من كل حدب وصوب، وعلى مدار السنة،
في حين نسمع أصواتهم تتعالى فقط خلال أيام محرم والزيارة الأربعينية على ما ينفقه المؤمنون بالقضية الحسينية في سبيل إحياء شعارها، وكأنهم –المشككون- أكثر حرصاً على أموال غيرهم من أصحابها أنفسهم.
إن ما أبتغي الوصول اليه في هذه السطور هو الاشارة الى العلاقة الوثيقة بين المواكب الحسينية والتغذية الثورية التي تزرعها الشعائر الحسينية بشكل عام، والمواكب الحسينية بشكل خاص، في نفوس المؤمنين، ولاسيما الفئات صغيرة السن من الصبية والشبّان، إذ انها تُعطيهم دفعاً وجدانياً عالياً، وحساً اجتماعياً كبيراً فيما يربتط بالبعد التثويري الذي تظهر فاعليته، بشكل مباشر أو غير مباشر، في طبيعة التعاطي مع القضايا المصيرية التي تمس الأمة الاسلامية.
فالمواكب الحسينية التي ينتظر فيها المؤمنون شهرَ محرم يوماً تلو آخر هي التي علّمتهم الحسَ الثوري الذي وقف ويقف بوجه الكيان الصهيوني المجرم، وليس من الصدفة بمكان أن نلاحظ أن من دعم وأسند وقاتل في الحروب الاخيرة ضد الكيان هم من تربوا على ثورة الإمام الحسين (ع)، أو كما قال السيد روح الله الخميني (قده) :(كل ما لدينا من عاشوراء)،
فعاشوراء، وتضحياتها، ورمزيتها، وثوريتها، وشعائرها، ومواكبها، هي التي تغذي الثورية الرافضة للتطبيع والظلم في عالم يسوده التوحش على طريقة الغاب، وما أجملها من صور ونحن نشاهد المواكب الحسينية تنتشر في المدن الايرانية واللبنانية، وقوافل المواكب الحسينية سارت تترى صوب قطاع غزة المكلوم بالأوجاع عبر الطرق البرية،
هذه التغذية الثورية الحسينية التي يتم تمريرها عبر المواكب الحسينية، وما تنفقه من اموال، شكّلت وتشكل جهازاً ايديولوجياً، بالفهم الايجابي هنا لمفردة ايديولوجيا، أسهم ويسهم في الضبط الاجتماعي، وكذلك في عملية بناء التكاتف الاجتماعي التي أسندت العراق وغيره في أوقات الازمات والمحن.
أما المتباكون على أموال أصحاب المواكب صراخاً وعويلاً، وهم الساكتون على سرقات القرن المتكررة، والمنشغلون بدعوة أصحاب المواكب الحسينية كي يبنوا الدولة العراقية من جيوبهم الخاصة، ويسكتون أمام الموازنات الانفجارية التي نسمع عنها ولا نراها، فهؤلاء لديهم مشكلة مع المشهد المكثّف للحضور الحسيني كل عام، إذ ما زال الحسين (ع) بثورته يُعرّي الكثيرين، ويكشف زيف الرموز الواهية، وثقافة التطبيع التي همّها علفها فقط وفقط، ولله في خلقه شؤون.




