لو طرق الحسين بابنا..!
الشيخ قاسم ال ماضي ||

قال الله تعالى في كتابه الكريم: .أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ…..
إن عاشوراء ليست حادثةً نقرأها في صفحات التاريخ، ولا ذكرى نستحضرها أياماً ثم نطويها مع انقضاء الموسم، وإنما عاشوراء مدرسةٌ إلهية، ومشروع إصلاح دائم، ومِرآة يرى فيها الإنسان حقيقة نفسه.
وكثيراً ما نسأل: ماذا لو كنا مع الحسين عليه السلام يوم عاشوراء؟ هل كنا سننصره؟ هل كنا سنثبت بين يديه؟ وهل كنا سنبذل النفس والمال دونه؟
غير أن السؤال الأعمق والأخطر هو: لو طرق الحسين بابنا اليوم، فهل نحن مستعدون لاستقباله
هل بيوتنا مهيأة للحسين؟ أم أن الدنيا قد ملأت أركانها؟ وهل قلوبنا مع الحسين حقاً، أم أن الألسنة تدّعي المحبة بينما الأعمال تسير في طريق آخر؟
إن الحسين عليه السلام لم يخرج طالباً للدنيا، بل قال: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». فالحسين مشروع إصلاح، وكل من أحب الحسين وجب أن يبدأ بإصلاح نفسه.
إن نصرة الحسين ليست بالسيف وحده؛ فإن أكثرنا لا يملك سيفاً، ولكن كل واحد منا يملك موقفاً.
فهل أحسنا إلى جيراننا؟
وهل تفقدنا فقراءنا؟
وهل جبرنا قلب يتيم أو مسحنا دمعة أرملة؟
وهل أرضينا والدينا؟
وهل عفونا عمن ظلمنا؟
وهل أصلحنا ما بيننا وبين من خاصمنا؟
فإن الحسين عليه السلام لا يريد شيعةً يكثرون البكاء ويقلّ فيهم العمل، وإنما يريد رجالاً ونساءً تظهر آثار الولاء في أخلاقهم وسلوكهم.
روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام:… كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شينا….
فكم نحن زينة لأهل البيت عليهم السلام؟ وكم أسأنا إلى مذهبهم بأفعالنا قبل أقوالنا؟
إن من أخطر أمراض هذا العصر غفلة القلب. أصبح الإنسان يقضي الساعات الطويلة مع الهاتف والشاشات، ولكنه يعجز أن يجلس دقائق مع نفسه يحاسبها، أو مع القرآن يتدبره، أو مع دعاء يناجي به ربه.
فكيف يدخل الحسين علية السلام بيتاً غاب عنه ذكر الله؟
وكيف يلج إلى قلبٍ أثقلته المعاصي ولم يعرف طريق التوبة؟
إن كربلاء لم تكن معركة سيوف فقط، بل كانت معركة ضمائر. كثير ممن قاتل الحسين علية السلام كانوا يعرفون منزلته، لكنهم قدّموا الدنيا على الآخرة، والخوف على الحق، والعاجلة على الباقية.
وما أكثر الذين لم يقاتلوا الحسين، علية السلام لكنهم خذلوه!
إن التاريخ لا يلعن الظالم وحده، بل يلعن الصامت عن الظلم إذا قدر على نصرة الحق فلم يفعل.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل نفسه: هل أنا من أنصار الحسين بالفعل، أم أنني أكتفي بالانتساب إليه؟
إن نصرة الحسين علية السلام ليست كلمة تقال، بل مسؤولية تُعاش
نصرة الحسين عدلٌ في البيت.
ونصرة الحسين علية السلام رحمةٌ بالفقراء.
ونصرة الحسين علية السلام حفظٌ للسان عن الغيبة.
ونصرة الحسين علية السلام أداءٌ للصلاة بخشوع.
ونصرة الحسين علية السلام صدقٌ في المعاملة.
ونصرة الحسين علية السلام موقفٌ مع المظلوم أينما كان
إن الدموع على الحسين عظيمة الشأن، ولكن الحسين علية السلام يريد دموعاً تُصلح الإنسان، لا دموعاً تنتهي بانتهاء المجلس.
فلنبكِ على أنفسنا قبل أن نبكي على الحسين.علية السلام
نبكي على صلاة ضيعناها.
وعلى حقوق أهملناها.
وعلى قلوب آذيناها.
وعلى أيام مضت ولم نزد فيها قرباً من الله.
فإذا تحول البيت إلى بيت رحمة، والقلب إلى موضع تقوى، واليد إلى يد إحسان، فعندها نستطيع أن نرجو أننا لو كنا مع الحسين علية السلام لما خذلناه.
ولما خلت أرض كربلاء من الأنصار، وقف الحسين عليه السلام ينظر يمنة ويسرة، فلم ير إلا الأجساد الطاهرة على الثرى، والأطفال يتضورون عطشاً، والنساء تنتظر ما يجري بعده.
فنادى بصوته الذي مزق القلوب: «أما من ناصر ينصرنا؟ أما من مغيث يغيثنا؟».
وما زال ذلك النداء يدوّي عبر القرون، لا يطلب نصرة السيف وحدها، بل يطلب نصرة الحق والعدل والإيمان.
فطوبى لمن سمع نداء الحسين فأجاب بقلبه وعمله وسيرته.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين علية السلام.




