الجمعة - 19 يونيو 2026
منذ 4 أيام
الجمعة - 19 يونيو 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

يجتمع سكان الكوكب هذه الأيام حول شاشاتهم لمتابعة حفل كروي ضخم تستضيفه الولايات المتحدة، تلك القوة التي لا تفوت فرصة إلا واستثمرت فيها كل طاقاتها لتثبت للعالم أنها لا تزال تقود القاطرة البشرية في كل مجالات الحياة، من السياسة والاقتصاد حتى الترفيه.

ورغم أن هذه البلاد قد لا تملك الجذور التاريخية الضاربة في القدم أو الإرث الفلسفي المعتق الذي تجده في مدن مثل أمستردام أو برلين، إلا أنها أدركت بقوة أن الرياضة هي اللغة الأكثر تأثيراً اليوم.

لقد تحولت الملاعب إلى بورصة عالمية عابرة للقارات، وصناعة عملاقة تُقاس من خلالها هيبة الدول وقدرتها التنظيمية، ليصبح المونديال بمثابة المحور الجديد الذي يدور حوله اهتمام البشرية وتتحدد بناءً عليه نجاحات الشعوب.

لكن هذا البريق الرياضي الأخاذ يحمل في قاعه مفارقة صارخة، إذ يكشف عن انحياز مرعب لغرائز المتعة على حساب خلايا الفكر. إن هذا الزخم الجماهيري الطاغي يعيد إلى الأذهان تلك الرؤية الاستشرافية التي أطلقها الأديب توفيق الحكيم حين رصد تحول البوصلة الحضارية من “مملكة الفكر” إلى “مملكة الملاعب”.

والمفارقة هنا أن الأفكار والآداب، التي يُفترض أن تكون جسراً للتواصل، أصبحت في عالمنا المعاصر مبعثاً للتوجس والصدام البارد، بينما انزوت النتاجات المعرفية ومعارض الكتب في زوايا النخبوية الخافتة.

لقد نجحت الرياضة في حشد الملايين تحت راية واحدة، في حين عجزت الثقافة عن صياغة مشهد تضامني كوني يحتفي بالعقل البشري بالزخم نفسه.

هذا الفراغ المعرفي أدى إلى تشرذم المجتمعات وتحولها إلى كانتونات ثقافية معزولة، لا يجمعها سوى قشور من المهرجانات العابرة والمحدودة.

ويأتي هذا التراجع في وقت تتقاذف فيه البشرية أمواج عاتية من الأيديولوجيات الملتبسة، والصراعات الفكرية العميقة، ومحاولات دمج الهويات تحت مسميات العولمة أو الأطروحات الدينية المستحدثة والغزو الثقافي.

إن العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى فضاء فكري رحب يتسع للاختلاف، عرس معرفي عالمي تشخص إليه الأبصار كما تشخص إلى المونديال، ليكون بمثابة ترياق يقي الشعوب من صراعات المذاهب وحروب الهوية، ويعيد للأقلام هيبتها في قيادة مسيرة الإنسان.