الخميس - 18 يونيو 2026

أمريكا والكيان الصهيوني : سردية من نزع سلاح محور المقاومة إلى نزع فكرة الدفاع عن المظلومية والمطالبة بالحقوق..!

منذ أسبوعين
الخميس - 18 يونيو 2026

الكاتب والباحث والاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

الجبان يميل الى القوة وبعد فشله يبدء بتقبيل الارجل والايادي والجريء يميل نحوالحق وضرب بيد من حديد .
إن “الموت الإكلينيكي” الناتج عن نزع السلاح هو أخطر بكثير من الهزيمة العسكرية العابرة.
ما هو المخطط من نزع السلاح والذي سيؤدي كتحصيل حاصل الى التخلي عن فكرة الدفاع عن المظلومية والمكالبة بالحقوق : تحولات الهيمنة وتفكيك الهوية المشتركة
يرتبط مفهوم “نزع السلاح” في المألوف السياسي والقرارات الدولية بالتحولات التي تلي الحروب والصراعات، حيث تسعى القوى المنتصرة أو المنظومة الدولية إلى تجريد طرف ما من عناصر قوته المادية لضمان عدم تكرار التهديد. إلا أن التطور المعاصر في إستراتيجيات الهيمنة وإدارة الأزمات لم يعد يقف عند الحدود المادية للقوة؛ بل انتقل إلى مربع أكثر عمقاً وخطورة، وهو ما يمكن تسميته بـ “نزع فكرة الدفاع عن المظلومية”.
إن هذا التحول يمثل انتقالاً من تفكيك “البنية التحتية العسكرية” إلى تفكيك “البنية الفكرية والأخلاقية” التي تمنح الشعوب والمجتمعات المضطهدة الحق في المقاومة، والاحتجاج، والمطالبة بالعدالة.
أولاً: نزع السلاح… كبح القوة المادية
تاريخياً، كان نزع السلاح (Disarmament) إجراءً تقنياً وقانونياً يُفرض عبر معاهدات السلام أو بقرارات قسرية من مجلس الأمن. الغاية الأساسية منه هي:
تغيير ميزان القوى: ضمان تفوق الطرف المهيمن واحتكار أدوات العنف.
تحييد الخطر المباشر: منع الشريحة المستهدفة من القدرة على الردع الميداني.
ورغم قساوة هذا الإجراء، إلا أنه في كثير من التجارب التاريخية كان يظل عاجزاً عن إنهاء الصراع بشكل جذري. فالجماعات التي تُجرد من سلاحها المادي تظل محتفظة بـ “مخزونها الرمزي” وثقافتها النضالية، مما يجعل عملية إعادة التسلح أو ابتكار وسائل مقاومة جديدة (كالمقاومة المدنية أو حرب العصابات الشعبية) أمراً ممكناً بمجرد تغير الظروف السياسية.
ثانياً: نزع فكرة الدفاع عن المظلومية… تصفية الوعي
حين تدرك القوى المهيمنة (سواء كانت قوى دولية أو أنظمة سلطوية محلية) أن السلاح المادي هو مجرد عرض للمرض وليس أصله، تنتقل إلى الإستراتيجية الأشد فتكاً: نزع السلاح الفكري والأخلاقي.
إن “المظلومية” هنا لا تُعنى بالبكائيات أو الاستسلام للضعف، بل تُفهم بسياقها الإيجابي: الوعي بالحق المسلوب، والشرعية الأخلاقية والقانونية في الدفع عن النفس واسترداد الحقوق. عندما يتم نزع هذه الفكرة، يحدث الآتي:
شيطنة الاحتجاج والمقاومة: تحويل أي فعل يدافع عن المظلومين من سياقه التحرري أو الحقوقي إلى سياق “الإرهاب”، “التخريب”، أو “زعزعة الاستقرار”.
كيّ الوعي وتثبيط العزائم: إقناع الضحية بأن وضعها الحالي هو نتاج خطئها التاريخي، وأن محاولة التمرد على الظلم ستؤدي إلى كوارث أكبر، مما يحول الدفاع عن المظلومية إلى “عبء أخلاقي” بدلاً من كونه “واجباً إنسانياً”.
تفتيت التضامن الجماعي: تفكيك الرابطة التي تجمع الأفراد حول قضية مشتركة، وإحلال النزعات الفردية أو المصلحية الضيقة مكانها.
ثالثاً: آليات الانتقال والإستراتيجيات المتبعة
تستخدم القوى الساعية لفرض هذا التحول أدوات ناعمة وخشنة متداخلة، ومن أبرزها:
الآلية طريقة العمل الهدف منها
الهيمنة السردية (Narrative\ Monopoly) إعادة كتابة التاريخ وتوجيه المنصات الإعلامية لتبني رواية الجلاد. جعل صوت الضحية غير مسموع أو مشككاً في مصداقيته.
الضغط الاقتصادي والمعيشيربط الاستقرار الحياتي للمجتمعات بالقبول بالأمر الواقع. تحويل اهتمام الإنسان من “القضايا الكبرى والمظلومية” إلى “الركض خلف لقمة العيش”.
الإغراق الثقافيترويج ثقافة “الحياد السلبي” والرفاهية الاستهلاكية وتسطيح الوعي العام. صناعة أجيال جديدة منفصلة عن تاريخها وقضاياها الحقوقية.
رابعاً: مآلات نزع فكرة الدفاع عن المظلومية
إن الخطورة الكامنة في هذه العملية تتجاوز الهزيمة العسكرية المؤقتة إلى الهزيمة الوجودية المستدامة. فعندما تفقد الجماعات والمجتمعات فكرة الدفاع عن مظلوميتها، تصاب بـ:
الاستلاب الأخلاقي المستدام: حيث تصبح الضحية عاجزة حتى عن صياغة خطاب يشرح معاناتها، بل قد تصل المرحلة إلى تبني رواية الظالم وجلد الذات، واعتبار المطالبة بالحقوق نوعاً من العبث أو التطرف.
هذا التحول يحول المجتمع من “مشاريع تحرر محتملة” إلى “كتل بشرية مدجنة” قابلة للتشكيل والتحريك وفق مصالح القوة المهيمنة، دون الحاجة لنشر جيوش أو استخدام ترسانات عسكرية مكلفة.

يسعى المحور الأمريكي الإسرائيلي إلى نزع سلاح “محور المقاومة” كأولوية إستراتيجية قصوى في الشرق الأوسط، وتتحرك هذه الرغبة بناءً على شبكة معقدة من المصالح الأمنية، والجيوسياسية، والاقتصادية.
يمكن تفكيك الدوافع الرئيسية وراء هذا السعي إلى عدة محاور أساسية:
1 – كسر معادلة الردع وتأمين إسرائيل
تعد المنظومة الصاروخية ومسيرات محور المقاومة التهديد الأكبر والأكثر تمدداً للأمن الإسرائيلي.
إنهاء “وحدة الساحات”: تخشى إسرائيل وأمريكا من ترابط الجبهات (من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق واليمن)، ونزع السلاح يهدف إلى الاستفراد بكل جبهة على حدة ومنع أي رد جماعي منسق.
تأمين الجبهة الداخلية الإسرائيلية: نقل الصراع في العقود الأخيرة إلى العمق الإسرائيلي شلّ الاقتصاد وحركة المستوطنين، لذا يُنظر إلى نزع السلاح كسبيل وحيد لإعادة الأمن الداخلي الإسرائيلي إلى ما كان عليه قبل عقود.
2 -تثبيت الهيمنة الأمريكية وحماية الممرات البحرية
يمثل سلاح المحور عائقاً مباشراً أمام حرية الحركة المطلقة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
أمن الطاقة والتجارة العالمية: أثبتت العمليات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز أن هذا السلاح قادر على خنق الاقتصاد العالمي وفرض شروط سياسية. نزع السلاح يستهدف إعادة السيطرة الكاملة على هذه الممرات المائية الحيوية.
منع نشوء “نظام إقليمي بديل”: تسعى واشنطن للحفاظ على أحادية القطبية في الشرق الأوسط، وتعتبر امتلاك قوى غير دولية (أو دول خارج الهيمنة الأمريكية) لسلاح كاسر للتوازن تهديداً لخرائط النفوذ التاريخية.
3 – تمرير مشاريع التطبيع والدمج الإقليمي
هناك رؤية أمريكية لإعادة صياغة الشرق الأوسط عبر شبكة تحالفات إقليمية تدمج إسرائيل كعنصر رئيسي (مثل “الاتفاقيات الإبراهيمية” ومشاريع الممرات الاقتصادية الهندية-الأوروبية عبر الشرق الأوسط).
إزالة العقبة الصلبة: يُنظر إلى فصائل المقاومة وسلاحها باعتبارها الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع التصفية النهائية للقضية الفلسطينية ومشاريع الدمج الاقتصادي التي تقودها واشنطن.
4 -تقويض النفوذ الإقليمي لإيران
تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل أن سلاح المحور هو “الأذرع التنفيذية” للإستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
تقليص أوراق الضغط الإيرانية: نزع هذا السلاح يعني تجريد طهران من عمقها الإستراتيجي وأوراق القوة الإقليمية التي تحمي بها برنامجها النووي وتفاوض بها القوى الغربية من موقع قوة.
أساليب تحقيق هذا الهدف: من العسكري إلى الوعي
لتحقيق هذا الهدف، لا تعتمد أمريكا وإسرائيل على المواجهة العسكرية المباشرة فحسب، بل تطبقان إستراتيجية متعددة الأبعاد:
الضغط العسكري والأمني: عبر الاغتيالات النوعية للقادة، واستهداف خطوط الإمداد العسكري، والحروب التدميرية.
الخنق الاقتصادي والعقوبات: فرض حصار مالي واقتصادي على الدول والمجتمعات الحاضنة للمقاومة (مثل لبنان، سوريا، اليمن، وإيران) لإشعال الشارع الداخلي ضدها، وتحميل السلاح مسؤولية الانهيار المعيشي.
الحرب السياسية والدبلوماسية: استصدار قرارات دولية (مثل القرار 1559 والقرار 1701 في لبنان) لشرعنة مطلب نزع السلاح وجعله مطلباً “دولياً وقانونياً”.
شيطنة السلاح (نزع الشرعية الأخلاقية): محاولة تصوير هذا السلاح في الإعلام والمنصات الدولية باعتباره سلاحاً “مليشياوياً، طائفياً، أو إرهابياً” يخدم مصالح خارجية ولا يدافع عن مظلومية أو قضية وطنية، وهو ما يرتبط بمفهوم (نزع فكرة الدفاع عن المظلومية) لجعل المجتمع الحاضن يتخلى عن السلاح طواعية نتيجة الضغط والإنهاك.
وضع الخطط لـ “نزع سلاح محور المقاومة” يمثل الهدف الأسمى للإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية في الشرق الأوسط. ونظراً لاستحالة تحقيق هذا الهدف عبر ضربة عسكرية خاطفة بسبب تمدد المحور جغرافياً وتجذره اجتماعياً، فإن السيناريو المتوقع يتخذ شكل إستراتيجية تفكيك تدريجي متعددة المراحل والأبعاد.
فيما يلي سيناريو تحليلي افتراضي للمراحل والآليات التي يمكن أن تتبعها واشنطن وتل أبيب لتحقيق هذا الهدف:
المرحلة الأولى: تقطيع أوصال شبكة الإمداد والإسناد (بتر الأطراف)
تعتمد القوة العسكرية للمحور على الترابط الجغرافي واللوجستي. لذا، تبدأ هذه المرحلة بـ:
عزل الساحات: العمل على فصل الجبهات عن بعضها البعض لإنهاء معادلة “وحدة الساحات”. يتم ذلك عبر تشديد الرقابة وتوجيه ضربات مكثفة لخطوط الإمداد عبر الحدود (مثل الحدود العراقية-السورية، والمعابر اللبنانية-السورية).
إشغال الساحات الداخلية: استنزاف كل طرف في المحور بأزمات محلية خانقة (أمنية أو سياسية) تجعله منكفئاً على ترتيب وضعه الداخلي وعاجزاً عن إسناد الساحات الأخرى.
المرحلة الثانية: “الإنهاك الإستراتيجي” والحصار الاقتصادي (كي الوعي)
المواجهة العسكرية المباشرة مكلفة، لذا يتم التركيز على السلاح الأخطر وهو الحصار والإنهاك الرمزي والمادي:
مبدأ “تجميع الأثمان”: تحميل البيئات الحاضنة للمقاومة أثماناً اقتصادية ومعيشية باهظة (تدمير البنى التحتية، انهيار العملات المحلية، العقوبات القيصرية). الهدف هو تحويل السلاح في وعي الجمهور من “درع حامٍ” إلى “سبب في التجويع والخراب”.
شيطنة السلاح وحصاره سياسياً: تفعيل القرارات الدولية ودعم النخب السياسية المحلية المعارضة للمحور، لتصوير السلاح على أنه “عائق أمام قيام الدولة والاستقرار الاقتصادي”.
المرحلة الثالثة: العمليات الجراحية المكثفة (استنزاف القدرات)
بالتوازي مع الحصار، يتم الانتقال إلى العمل العسكري والأمني المستهدف:
تصفية القيادات العصبية (قطع الرأس): التركيز على الاغتيالات النوعية للقادة العسكريين، والمهندسين، والمخططين الإستراتيجيين لإحداث حالة من الإرباك الإداري وفقدان التوجيه.
تدمير المستودعات الحيوية: الاعتماد على الجهد الاستخباري (الأقمار الصناعية والعملاء) لتحديد وتدمير مصانع الصواريخ الدقيقة، والمسيرات، ومستودعات الدفاع الجوي، لتقليص مخزون المحور الردعي دون الدخول في حرب برية واسعة.
المرحلة الرابعة: فرض “الصفقات السياسية” (النزع القانوني والمؤسساتي)
عندما يصل المحور أو الدول الحاضنة له إلى مرحلة متقدمة من الإنهاك المادي والضغط الشعبي، يتم الانتقال إلى مرحلة الصفقات والإخراج القانوني:
صيغة “الغذاء والسيادة مقابل السلاح”: طرح مشاريع دولية لإعادة الإعمار، ورفع العقوبات، وضخ المليارات في الاقتصاد، مقابل البدء بإجراءات عملية لنزع السلاح أو دمجه في مؤسسات الدولة الرسمية تحت رقابة دولية صارمة.
الاتفاقيات الإقليمية الكبرى: إبرام تسويات دولية وإقليمية (تشمل القوى الكبرى والإقليمية) تضمن تحجيم دور الفصائل ووضع قيود مشددة على تسليحها مقابل اعتراف سياسي ببعض المكتسبات المحلية.
سيناريو النتيجة: التفكيك الذاتي (نزع فكرة الدفاع)
الهدف النهائي لهذا السيناريو لا ينتهي بجمع الصواريخ في شاحنات تحت إشراف الأمم المتحدة، بل بـ “تحييد فاعلية السلاح”.
عندما تنجح هذه المراحل، يتحول السلاح تدريجياً من أداة هجومية وردعية عابرة للحدود إلى “عبء سياسي وأمني داخلي”، مما يضطر قوى المحور -تحت وطأة الضغط الشعبي والسياسي الداخلي- إلى القبول بتسويات تُفقد هذا السلاح وظيفته الإستراتيجية ضد إسرائيل وأمريكا، وهو ما يحقق جوهر الفكرة: الانتقال من نزع السلاح المادي إلى نزع قدرة ورغبة المجتمعات في الدفاع عن مظلوميتها.
هل هذا السيناريو حتمي النجاح؟
رغم دقة هذا التخطيط، إلا أنه يصطدم دائماً بعقبات كبرى تشمل: قدرة المحور على الابتكار والتكيف اللوجستي، العمق الجغرافي الشاسع، وبقاء أسباب الصراع (الاحتلال والمظلومية التاريخية) قائمة، مما يجعل أي محاولة لنزع السلاح دون حل الجذور الأساسية للأزمة مجرد تأجيل للمواجهة القادمة.
يرتبط مصطلح “الموت الإكلينيكي” في الفضاء السياسي والفكري بحالة من الشلل التام وفقدان الوظائف الحيوية مع بقاء الجسد على قيد الحياة ظاهرياً. وحين يُربط هذا المفهوم بـ “نزع سلاح المقاومة”، فإنه يشير إلى النتيجة الحتمية والوجودية التي تؤول إليها المجتمعات أو القضايا التحررية عندما تُجرد من عناصر قوتها المادية والرمزية.
إن العلاقة الإستراتيجية بين نزع السلاح والموت الإكلينيكي يمكن تفكيكها عبر ثلاثة مستويات أساسية:
1 – الموت الإكلينيكي للقضية السياسية
السلاح في يد أي حركة مقاومة ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو “الرافعة السياسية” التي تمنح القضية ثقلاً على طاولات التفاوض الدولية.
فقدان القدرة على الفرض: بدون سلاح يهدد مصالح القوى المهيمنة، تتحول القضية (مثل القضية الفلسطينية) من “قضية تحرر وطني وسيادة” إلى “ملف إنساني إغاثي” يُبحث فيه عن تحسين شروط العيش تحت الاحتلال.
الجمود والموت البطيء: تصبح القضية في حالة “موت إكلينيكي” سياسي؛ جسدها موجود في أروقة الأمم المتحدة والقرارات الدولية، لكنها عاجزة عن إحداث أي تغيير على الأرض أو منع الاستيطان والتهويد.
2 – الموت الإكلينيكي لـ “فكرة” الدفاع عن المظلومية
هذا هو الرابط الأعمق مع الأطروحة الفكرية الأولى؛ فننزع السلاح يتبعه تلقائياً هندسة وعي جديدة تؤدي إلى موت الروح النضالية:
التدجين والقبول بالدونية: عندما تقتنع المجتمعات بأنها عاجزة عن حماية نفسها، يدخل الوعي الجمعي في حالة غيبوبة (كوما) فكرية، حيث يُستبدل خيار المواجهة والرفض بالاستسلام للأمر الواقع كخيار وحيد للبقاء.
جلد الذات وتحريم المقاومة: يتحول الخطاب العام في المجتمع من تخليد الشهداء والمقاومين إلى لومهم وتحميلهم مسؤولية الدمار، وهو ما يمثل الموت السريري للقيم الأخلاقية التي تأسست عليها الهوية المشتركة.
3 – الموت الإكلينيكي لـ “مفهوم الدولة” أو الكيان البديل
في الساحات التي يمتلك فيها محور المقاومة نفوذاً كبيراً (مثل لبنان، اليمن، أو قطاع غزة)، يُطرح نزع السلاح كبوابة للاستقرار. لكن في المنظور الإستراتيجي، فإن نزع السلاح في ظل غياب بديل وطني قوي وقادر على الردع يؤدي إلى:
انكشاف أمني مطلق: يصبح الكيان جثة هامدة معنوياً، عاجزة عن حماية أجوائها أو ثرواتها أو حدودها، وتتحول “الدولة” أو المنطقة إلى محمية مستباحة أمنياً واستخباراتياً لإسرائيل والولايات المتحدة.
تفكك النسيج الداخلي: السلاح غالباً ما يمثل عصب التوازن الردعي؛ ونزعه بالقوة أو الصفقات الفوقية دون معالجة المظالم الإقليمية يؤدي إلى انفجار الصراعات الداخلية والموت السريري للسلم الأهلي.
المقاومة كـ “جهاز تنفس اصطناعي” أم قلب نابض؟
ترى أدبيات المقاومة أن السلاح هو القلب النابض الذي يضخ الدماء في عروق القضية ويحفظها من الاندثار والنسيان وسط التواطؤ الدولي. في المقابل، تسعى الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية إلى إقناع الشعوب بأن هذا السلاح هو “جهاز تنفس اصطناعي زائف” يطيل أمد المعاناة والحروب، وأن نزعه هو السبيل للحياة الطبيعية.

الإلحاح والمطاردة المستمرة من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل لنزع سلاح “محور المقاومة” لا ينطلقان من مجرد رغبة في تفكيك منظومة عسكرية، بل يعودان إلى أن هذا السلاح أحدث تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك الإستراتيجية في المنطقة.
تحديداً، يركز هذا الإلحاح على أربعة دوافع جوهرية تفسر خطورة هذا السلاح بالنسبة للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي:
1 – كسر “عقيدة بن غوريون” الأمنية
تأسست العقيدة العسكرية الإسرائيلية تاريخياً (منذ عهد دافيد بن غوريون) على ركائز ثابتة: نقل المعركة إلى أرض العدو، الحسم السريع، والردع المطلق. سلاح المحور نسف هذه الركائز:
نقل المعركة إلى الداخل: الصواريخ الدقيقة والمسيرات جعلت الجبهة الداخلية الإسرائيلية (المستوطنات، البنى التحتية، والمطارات) مكشوفة بالكامل وفي مرمى النيران.
استنزاف طويل الأمد: حوّل المحور الصراع من حروب خاطفة تحسمها الطائرات الإسرائيلية في أيام، إلى “حروب استنزاف” ممتدة، وهو نمط لا يطيقه المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي.
2 – تهديد المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لواشنطن
لم يعد هذا السلاح محصوراً في الدفاع الموضعي، بل تحول إلى أداة تأثير إستراتيجية عابرة للحدود:
خنق الممرات المائية: أثبتت أحداث البحر الأحمر ومضيق باب المندب أن فصائل المحور (كأطراف غير دولية) قادرة على فرض حصار بحري، وتعطيل خطوط الملاحة الدولية، وتوجيه ضربات موجعة للاقتصاد العالمي وحركة التجارة التي تهيمن عليها أمريكا.
تهديد القواعد الأمريكية: يمثل السلاح المنتشر في العراق وسوريا أداة ضغط دائم تمنع الاستقرار المريح للقوات الأمريكية في المنطقة وتجعل وجودها مكلفاً سياسياً وأمنياً.
3 -تقويض مشروع “الشرق الأوسط الجديد” والتطبيع
تسعى واشنطن صراحة إلى بناء نظام إقليمي جديد يقوم على دمج إسرائيل كقوة قائدة (تكنولوجياً واقتصادياً وأمنياً) عبر مسارات التطبيع والتحالفات الإقليمية، وربط الهند بأوروبا عبر ممرات تجارية تمر بالمنطقة.
وجود محور مسلح، يمتلك فيتو عسكرياً ويرفض الاعتراف بشرعية إسرائيل، يمثل العقبة الصلبة التي تمنع تصفية القضية الفلسطينية وتعرقل تمدد هذا المشروع الإقليمي.
4 – تجريد إيران من أوراق القوة الإقليمية
ترى أمريكا وإسرائيل أن هذا السلاح يمثل “خط الدفاع الهجومي الأول” لإيران.
نزع سلاح المحور يعني تفكيك “العمق الإستراتيجي” لطهران، وبالتالي الاستفراد بها، وتجريدها من أوراق الضغط الأساسية التي تحمي بها برنامجها النووي وتفرض بها شروطها في أي مفاوضات دولية.
اي يمكن القول في الاخرة من العجز العسكري إلى الضغط الأخلاقي حيث أن المواجهة العسكرية الشاملة لتصفية هذا السلاح مكلفة جداً وقد تؤدي إلى حرب إقليمية مدمرة، فإن الإلحاح الأمريكي-الإسرائيلي يركز على إستراتيجية “النزع عبر الإنهاك”:
فرض حصار اقتصادي خانق على المجتمعات الحاضنة للمقاومة (لبنان، سوريا، غزة، اليمن) بهدف إيصال هذه المجتمعات إلى قناعة بأن السلاح هو سبب جوعها وعزلها الدولي، وبذلك يتحول السلاح من “مفخرة ودرع حامٍ” إلى “عبء اقتصادي وأمني”، مما يمهد لنزعه سياسياً أو شعبياً بعد العجز عن نزعه عسكرياً.
وكذلك فان تحصين الوعي كخط دفاع رئيسي فإذا كان نزع السلاح المادي قد يفرض بقوة السلاح والظروف الجيوسياسية القاهرة، فإن نزع فكرة الدفاع عن المظلومية لا يتم إلا بتواطؤ أو استسلام من الضحية ذاتها.
لذلك، يصبح خط الدفاع الأول والأخير للمجتمعات والشعوب هو التمسك بالذاكرة الجماعية، واستمرار تداول مظلوميتها المشروعة في الفضاءات الثقافية، الفكرية، والأكاديمية. إن الحفاظ على شرعية السؤال: “لماذا وقع علينا الظلم؟ وكيف نرفضه؟” هو السلاح الرمزي الذي لا يمكن لأي قوة دولية أو إقليمية مصادرته، وهو النواة الصلبة التي تُبنى عليها مستقبلاً استعادة الحقوق والسيادة.
وان الخلاصة الإستراتيجية هو إن “الموت الإكلينيكي” الناتج عن نزع السلاح هو أخطر بكثير من الهزيمة العسكرية العابرة. الهزيمة العسكرية تترك خلفها ركاماً وذاكرة وجيلاً ينتظر لحظة الثأر واستعادة الحق، أما نزع السلاح وتصفية فكرة المظلومية فإنهما يضعان المجتمع في حالة موت دماغي كامل، حيث يفقد القدرة على الإحساس بالظلم، ويرى في استسلامه وتدجينه استقراراً وعقلانية.